الأحد 18 اغسطس 2019 الساعة 06:43 م

مقالات وآراء

الرشاقة في رمضان

حجم الخط

الى الذين يحبون الرشاقة، رشاقة الجسد التي لا تثقلها الدهون ، رشاقة الروح المفعمة بالحيوية والتي لا تعيق خفة الدم فيها الكروش المتدلية ولا الارداف المترهلة، رشاقة الروح التي لا يثقلها جسد ولا تخمة ولا بلادة حس ولا سماكة جلدة رأس تحول بينه وبين رؤية أصحاب الموائد الكئيبة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لنتخيل معا عائلة غنية سمينة قررت صيام الرشاقة، ان تسير خطوة جوهرية نحو تحقيق رشاقة الجسم ورشاقة الروح، فقررت ان تكون المائدة خفيفة نظيفة، وأن تتقاسم كمية الطعام التي اعتادتها في رمضانات سابقة بينها وبين عائلة رشيقة رشاقة جبرية بسبب الفقر أو انقطاع الراتب أو سوء الحال.

ولما تستشعر هذه العائلة رشاقة الروح قبل أن تتحقق من رشاقة الجسم وأنها تسد حاجة عائلة فقيرة من الطعام المعتادة عليه عندئذ تشعر بسعادة غامرة، انها تمكنت من اصطياد عدة عصافير بحجر واحد، أدخلت السعادة بيت عائلة منكوبة، جسدت رسالة رمضان بطريقة عملية، حققت فوائد صحية وروحية لذاتها.

والاخيرة لا تقارن بلذة الطعام وشره البطون، إذ الخلاص من حالة عطش الروح بهذا الشعور الراقي سمو ما بعده سمو، فإشباع حاجات الروح أهم بكثير من إشباع حاجات الجسد، الاولى تولد ارتقاء نفسيا وسموّا روحيا ولذة قلبية سببها هذا التعلق السماوي والفكاك من التعلقات الارضية، بينما اشباع الجسد يؤدي الى تبلد المشاعر وقد تصل الى الشعور بالبطر والخيلاء عدا عن التداعي للعجز والكسل والبحث عن مهضّمات تزيده خبولا وثقلة الى الارض.

والتثاقل الى الارض تعبير قرآني يصور الحالة التي لا ينشد صاحبها الارتفاع والارتقاء او الوصول الى هدف سام، فالسير في سبيل الله يحتاج الى رشاقة في الروح والجسد ويحتاج الى ايمان عميق بالهدف السامي في الحياة، ويحتاج الى التحرر من كل ما يمنع من هذا ويشكل عائقا في طريقه. ويحتاج أيضا الى أن يفكر الغني المترف بغيره ولا يبقى في دائرة ذاته الضيقة، ينتقل من الانا الفردية الى الروح الجماعية التي يكون فيها معطيا ومساعدا ومتعاونا وحانيا وعاطفا.

هناك من اعتاد على الاخذ ويجيد طرقه ويتقدم الى الهدف بكل جرأة وبسالة وشجاعة، اسد عند الاخذ ولكنه نعامة عند العطاء، لا يعرف للعطاء سبيلا، وهناك من يقتصر على الحد الادنى بدفع زكاة ماله أو جزء يسير منها ويقنع نفسه بأنه قد أسقط الواجب وأعطى حق السائل والمحروم من حرّ ماله.

إن الامر مختلف عندما نتحدث عن شعب محاصر منذ سنوات طويلة ونسبة الفقر والبطالة والكوارث فيه عالية، القليل القليل ان نفيض من موائدنا العامرة على موائد خالية الوفاض تشكو خالقها وتأمل من شعبها الكثير خاصة في هذا الشهر الفضيل.