الأحد 18 اغسطس 2019 الساعة 06:21 م

مقالات وآراء

تفاهمات غزة "الإنسانية" أفرزت إقرارا إسرائيليا "قسريا" بالوضع "السياسي" في غزة!

حجم الخط

كثير من الإسرائيليين تحدثوا عن مآلات التفاهمات الأخيرة التي تم التوصل إليها مع حماس في غزة بوساطة مصرية، بين من قال إنها ذات طابع إنساني، وآخر عدها مرتبطة بالتحسينات المعيشية، وثالث ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنها تحتمل أن تكون سياسية، أو في الطريق لأن تصبح كذلك.

لكن اللافت في القراءة الإسرائيلية للتفاهمات، أنها أجرت تغييرا، يبدو أنها قسريا، باتجاه تفضيل المسار السياسي على الخيار العسكري في التعامل مع ما بات يعرف في إسرائيل بـ"مسألة غزة"، وتجلى ذلك في التوصل لهذه التفاهمات، والترويج والتسويق الذي سبقها وأعقبها في محافل التفكير والبحث والدراسات الإسرائيلية.

من بين اللفتات التي لا تخطئها العين في أعقاب التوصل لهذه التفاهمات في غزة، أن الاتهامات الإسرائيلية لحركة حماس بأنها منظمة "إرهابية"، لم تمنعها من التوصل معها لتسوية لمنع اندلاع مواجهة عسكرية ضارية، رغم أن التفاهمات التي أُبرمت بوساطة مصرية تتضمن قضايا إنسانية ومعيشية، ووقفا لإطلاق النار، وإن منحها بعض الإسرائيليين توصيفا بأنها تحمل مضامين سياسية.

وصل الأمر بالناطق العسكري باسم الجيش الإسرائيلي أنه لم يطلق على حماس حركة "إرهابية"، في بياناته الأخيرة، كما جرت العادة، وبغض النظر عن التوصيفات التي يطلقها الإسرائيليون على هذه التفاهمات مع حماس، فإن مجرد الاتفاق معها يعني أنها لم تعد حركة "إرهابية"، وأن إسرائيل باتت تعترف بها أمرا واقعا، وهذا السبب الأساسي الذي جعل نتنياهو يمنع الدعوة لعقد اجتماع طارئ للكابينت لبحث التفاهمات مع الحركة.

مع العلم أن هذا الاتفاق الأولي الذي توصلت إليه مصر بين حماس وإسرائيل قد يكون مقدمة لاتفاق أوسع في المستقبل، نحن لا نتكلم عن اتفاق لوقف إطلاق النار فقط، لأن إسرائيل توصلت مع حماس لمثل هذه الاتفاقات في عدد لا محدود من المرات عقب كل جولة تصعيد في القطاع.

ومع ذلك دأبت إسرائيل على النظر لحماس على أنها منظمة "إرهابية"، كما دأب الناطق العسكري عقب كل مواجهة عسكرية على إصدار بيان صحفي يذكر فيه أن سلاح الجو هاجم عددا من الأهداف والبنى التحتية "الإرهابية" التابعة لحماس، إلا في هذه المرة حيث لم يستخدم تلك المفردات "الإرهابية"!

لا يحتاج أحدنا لكثير من الثقافة السياسية والخبرة الدبلوماسية للوصول إلى استنتاجات من هذا الاتفاق المتبلور بين غزة وإسرائيل بوساطة مصرية قطرية أممية، أهمها أن هناك إقرارا تدريجيا من تل أبيب بديمومة الوضع القائم في غزة، بما فيه من مؤشرات وشواهد سياسية وعسكرية، وإن كان إقرارا قسريا اضطراريا، بحكم الأمر الواقع، ما يؤسس لمعطيات سياسية بعيدة المدى، تتجسد أمام ناظرينا في غزة بصورة لا تخطئها العين.