ظنّوا بأنّ الحلم
الأوروبي سينقلهم إلى حياةٍ أفضل رغداً ممّا هم فيه في قطاعهم المُحَاصر ، و إذ به
يعود أدراجَ الرياح بهم حيث نقطة اللاعودة ، لتتقلّص أحلامهم رويداً رويداً ، و يصلون
إلى ما يشبه فكّي كماشة ، إمّا العودة المشوبة بالحذر و المخاطر و المصير المجهول ،
و إمّا البقاء في أزقّة أوروبا التي ضاقت عليهم الضيق كله ..
إنهم أبناءُ قطاع
غزّة الذين قصدوا القارة الأوروبية ، لعلّهم يرفعون ولو قليلاً من مستوى معيشة أسرهم
، أو يؤمّنون تكاليفَ جزءٍ من ملتزمات حياتهم ، و لكنّ الرياح جرت بمالا تشتهي سفنهم
، و كأنهم على موعد دائم مع حظوظ الدنيا السيئة ..
يحدّثُنا أحد شبّان
قطاع غزة الذين وصلوا إلى هولندا منذ سنتين و نيّف ، عمّا آلت إليه أوضاعه بعد وصوله
إلى هولندا التي كانت آخر محطاته ، ضمن رحلته التي شابتها المخاطر ، و التي لم تعد
عليه إلا بالمشقّة و تردّي الأوضاع المعيشية ..
يقول ( عبدالله محمد
صافي ) ذو السبعة و العشرين ربيعاً ، بأنه
غادر قطاع غزة في عام 2014م قاصداً أوروبا ، لعلّه يعيل أفراد أسرته و يوفر
لهم حياةً كريمةً بعض الشيء .
بدأت رحلته باتجاه
مصر ، ثم إلى ليبيا بوّابة المهاجرين إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط ، ليتعرّض فيها
إلى عملية اختطاف و سطوٍ مسلّح من قبل عصابةٍ مجهولة ، قامت باحتجاز مجموعته التي ترافقه
على خُطا الهجرة مدة ثمانية عشر يوماً ، بعد أن سلبت منهم أموالهم و جوّالاتهم و كل
ما يملكون ، و تركتهم في بيداء مقفرة ليس لهم فيها إلا رحمة الله ، و قد ساقَ لهم القدر
بعض الأخيار الذين ساعدوهم في الوصول إلى نقطة العبور باتجاه إيطاليا ، ثم تمكن عبدالله
من تأمين مبلغ العبور ، ليجتاز البحر المتوسط الذي لفظه على الجزر الإيطالية ، و هنا
يبدأ فصل جديد من المعاناة و الزحف البري مشياً على الأقدام تارةً ، و في وسائل النقل
تارةً أخرى ، ليحطّ رحاله في بلجيكا ، ففرنسا ، فلوكسمبورغ ، فهولندا التي جمَعَتنا
به لِنُنصِت إلى معاناته .. وصل عبدالله ، و ظنّ أنّ معاناته ستنتهي ، و لكنها أبت
إلا أن تستمر ، و ذلك عندما رفضت المحكمة الهولندية إعطاءه قرار الإقامة في البلد ،
بذريعة أن قطاع غزة ينعم بالأمان و الدعة ، و وفرةٍ من الرغد و الهناءة ، ولا يوجد
فيه أي نوع من أنواع الخطر ، أو هواجس الحروب ، و بالتالي لم يعد هناك ضرورة لبقائه
في هولندا ، و عليه أن يعود ، و لكنّ العودة التي يتحدثون عنها ليست بالأمر اليسير
، ولا هي كبسة زر حسب المصطلح الشائع ، و كيف له أن يعود إلى قطاع غزة و لن تستقبله
مصر التي غادرها بطريقة غير شرعية ، و لن تمنحه تأشيرةً لدخول أراضيها ، و لو خِلْنا
أنه تمكّن من دخولها و هذا مستحيل ، فهناك صعوبات أخرى ، فالمعبر البرّي الوحيد الذي
يوصله إلى قطاع غزة مغلق بالكامل من الجانب المصري ، و أنفاق التهريب مشوبة باحتمالات
الموت غرقاً أو خنقاً بالغاز ، و بناءً على ذلك فإن احتمالات الوصول تتضاءل كثيراً
أمام كل هذه المخاوف ..
عرضَ عبدالله
هذه المخاطر على السلطات الهولندية التي لم تستجب له ، و لم تمنحه حق الإقامة حتى اللحظة
، بل كانت تكتفي في كل مرة بوضعه في مأوى خاص بالأشخاص الذين لا يملكون عنواناً ، أو
الذين يشكلون عالة على المجتمع ، و هو مكان خاص بالمبيت فقط ، و ليس فيه إقامة دائمة
على مدار اليوم ، بل عليه أن يغادر هذا المأوى يومياً الساعة التاسعة صباحاً ، و يعود
إليه الساعة التاسعة ليلاً ، ليقضي نهاره كله بين هنا و هناك ، في الطرقات و المكتبات
و الأماكن العامة ، حتى إذا حلّ الظلام عاد إلى مأواه الذي يؤويه من كل شيء ، إلا من
أحلامه التي تداهمه بعد أن تبخّرت في مهب الريح ؟؟
سنتان مرّتا و مايزال
عبدالله يتنقّل من مأوى إلى آخر ، تارة في الشمال الهولندي و تارة في الجنوب ، و أحياناً
أخرى في الوسط حتى أنه أصبح خبيراً في الجغرافية الهولندية ، و مع ذلك فهو لم يجد أذناً
صاغية لمشكلاته لا من قبل السلطات الهولندية ، ولا من قبل الجهات و المؤسسات العربية
و الفلسطينية التي قصدها أكثر من مرة ، لعلهم يستخدمون نفوذهم المحدود للوصول إلى حلّ
ينهي هذه المأساة ..
و ليس عبدالله هو
المواطن الغزي الوحيد الذي لم يحصل على حق الإقامة ، بل هناك أشخاص آخرون كُثر تعرّضوا
للمشكلة ذاتها ، فَتُرِكوا في منتصف الطريق ، لا عودة تُرجِعُهم نحو كهرباء غزة المعدومة
و حصارها الشديد و واقعها المؤلم ، ولا حقوق في الإقامة في أوروبا للخروج من وحل الفقر
و المعاناة ، ربما عزاؤهم الوحيد هو : طوبى لمن أسكنه الله إحدى العروسين ، غزة و عسقلان
..


