السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 06:25 ص

مقالات وآراء

المصالحة الفلسطينية كلاكيت 2017

حجم الخط
أيمن دلول

بينما كان أهالي غزة فجر يوم الأحد السابع عشر من سبتمبر 2017م متصلون بصلاة الفجر، انشغلت القنوات والمواقع الفلسطينية والدولية بإفراد مساحات واسعة لتغطية القراءة والتداعيات في بيان حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الذي خرج من العاصمة المصرية القاهرة حيث يتواجد على أرضها وفدٌ رفيع من الحركة أبرز من فيه رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية ورئيسها في قطاع غزة يحيى السنوار.

البيان جاء مفاجئا للجميع، وجعل الشارع الفلسطيني يتململ من حالة سكونه والإحباط الذي عاشه نتيجة انتكاسات المصالحة الفلسطينية مرات ومرات خلال الأعوام الماضية، فقد اشتمل البيان المقتضب على أربعة بنودٍ كل واحد منها يعتبر تنازلاً على طبق من ذهب قدمته الحركة للمخابرات المصرية "راعية الحوار" من جانب وحركة "فتح" من جانب آخر، والبنود الأربعة أكثر ما كانت تُصرُ على ما فيها حركة "فتح" البند الأول، فكانت المفاجأة لها بموافقة "حماس" على أربعة بنود وليس واحدا فقط "كانت فتح علقت شماعة المصالحة فيه على مدار شهور، وبررت كل إجراءات الخنق والتضييق وفصل موظفي غزة تحت لافتته".

أعلنت حماس في بيانها:

1- حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة.

2- دعوة حكومة الوفاق للقدوم إلى قطاع غزة؛ لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فوراً.

3- الموافقة على إجراء الانتخابات العامة.

4- استعداد الحركة لتلبية الدعوة المصرية للحوار مع حركة فتح، حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في إطار حوار تشارك فيه الفصائل الفلسطينية الموقعة على اتفاق 2011م كافة.

إن السبب الذي دفع آلاف المواطنين والمثقفين لإجبار أنفسهم على الأمل بإمكانية نجاح المصالحة الفلسطينية بثوبها الجديد هذه المرة، هو حجم التنازلات التي قدمتها حركة "حماس" حتى بدون جولات مفاوضات مع حركة "فتح"، وهي تنازلاتٌ تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك النظرة الثاقبة للحركة على الحالة الفلسطينية في غزة والتي باتت لا تحتمل أي إجراءات تضييق وتشديد للحصار، بل إن حجم التنازلات من الحركة الإسلامية تؤكد بأنها قدمت كل الأوراق التي في أيديها هذه المرة بشكلها السلمي بعيداً عن لغة السلاح التي يبدو أنها الورقة المتبقية لقلب الطاولة إن فشلت هذه الورقة التي ألقت بها الحركة في القاهرة.

لكن في قراءة للمصالحة الفلسطينية، فلستُ من المتفائلين رغم أمنيتي بنجاحها الآن قبل الغد، واستنباطي في ذلك على البند الرابع من إعلان "حماس"، حيث يتضح أن مرتكز نجاح هذه المصالحة هو تطبيق بنود التفاهمات التي جرت في القاهرة عام 2011.

وبالعودة إلى اتفاقية القاهرة عام 2011م، ففي فقرتها الثانية أنها أُقيمت "ارتباطاً بالحوار الوطني الفلسطيني الشامل الذي عُقد في القاهرة ابتداءً من 26/2/2009م، وبعد البحث في اتفاقية العام 2009م فقد أعادتنا للارتباط بـ"إعلان القاهرة" الصادر عن الفصائل الفلسطينية في 17/3/2005م... 

لا داعي للبحث أكثر من ذلك، فالمسألة واضحة وضوح الشمس وتكمن في أن مشكلة الانقسام الفلسطيني غير مرتبطة بالمطلق "وهذا حسب إقرار الفصائل الفلسطينية بناء على هذه الاتفاقيات والتفاهمات بين فتح وحماس"، بدخول حركة "حماس" تحت قبة البرلمان الفلسطيني في العام 2006م، وإنما سبق دخولها بسنوات، الأمر الذي يعني باختصار أن المشكلة تكمن في النظام السياسي الفلسطيني الذي نزلت فيه حركة "فتح" عن الجبل مبكراً لاقتناص الغنائم قبل نُضجها بالكامل وخشيةً من تقدم فصائل فلسطينية أخرى لقطفها قبل أوانها من خلال توقيع "أوسلو" المذلة والتنازل عن غالبية التُراب الفلسطيني.

إن أزمتنا السياسية لا تكمن في توقيت انخراط "حماس" بالعمل السياسي الفلسطيني "رغم أن عملها اكتنفه العديد من الأخطاء والهفوات ليس المقام لتفصيله في هذه المساحة"، إنما في اتفاقية "أوسلو" التي مزقت القضية الفلسطينية ونزغت العداوة والبغضاء بين أبنائها وفصائلها.

إن المصالحة الفلسطينية الحالية في ثوبها الجديد لن يُكتب لها النجاح إن اعتمدت ذات الأساليب السابقة، وإلا فسوف تكونُ رقماً آخر على طاولة الانقسام السياسي الفلسطيني، وإنما الباب الأوسع لنجاحها يتمثل في البحث عن نقطة اتفاق فلسطيني بعيداً عن حديقة "أوسلو" التي حينما دخلناها وأكلنا من شجرتها التي حذرنا منها غالبية الشعب الفلسطيني في حينه، كشف الله عوراتنا وفضحنا أمام العالم.

كنتُ أتمنى بمجرد إعلان حركة "حماس" لبنودها الأربعة والتي جاءت بشكل مفاجئ أن تستنفر حركة "فتح" كل طاقاتها وقادتها وتُوقف كل أعمالها، لتكرس كل الجهود في سُرعة تحقيق ما وافقت عليه حركة "حماس" والتقدم من طرفهم خطوة أخرى وليس أربع خطوات تجاه "حماس" لإنجاح المصالحة الفلسطينية، لكن للأسف حتى الآن يبدو بأن حركة "فتح" وقيادتها ليست في عجلةٍ من أمرها لإنجاز هذا الملف، فـ" برودة الأعصاب" التي تتحرك بها الحركة تجعلنا نتوجسُ ونتحسس من إمكانية إعلان نجاح هذه الجولة من المصالحة الفلسطينية. نسأل الله أن يكون تفكيرنا قد جانبه الخطأ.