الخميس 15 يناير 2026 الساعة 07:28 م

مقالات وآراء

مازن فقهاء قراءة في الهدف والأسلوب

حجم الخط
أيمن دلول

شكلت عملية الاغتيال التي قام بها مسلحون في غزة مساء الجمعة 24-3-2017م بأسلحة كاتمة للصوت بحق أحد أبطال وقادة المقاومة الفلسطينية الذين تم الإفراج عنهم رغماً عن أنف الاحتلال الإسرائيلي ضمن ما عُرِف بصفقة “شاليط” في العام 2011م، صدمة للكل الفلسطيني واختباراً صعباً ومؤلما لحركة “حماس” بأجنحتها المختلفة العسكرية والأمنية.111

 

هذه العملية التي تم القيام بها تُشبه بتفاصيلها وطريقة تنفيذها ما يقوم به جهاز “الموساد” الإسرائيلي على مدار عقود من الزمن بحق العديد من القيادات العربية والفلسطينية في أماكن مختلفة خارج الأراضي الفلسطينية، ولعل أكثرها شبهاً بجريمة غزة تلك التي اقترفها بحق الطيار التونسي على الأراضي التونسية المهندس محمد الزواري، أما الاغتيالات التي كانت تجري في داخل فلسطين فكان أسلوبها غالباً من خلال استهداف القادة بصواريخ الطائرات على اختلافها، فلماذا إذا يتم الاستهداف هذه المرة من “المسافة صفر”.

 

تُدرك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خطورة القيام بمثل هذه العملية وبخاصة أن مجال تنفيذها داخل “بطن الحوت” يعني في عمق قطاع غزة، لكنها متيقنة كذلك بأن نجاح هذه العملية سيعتبر انجازاً منقطع النظير، وهذا ما كان، فبالتأكيد لم تتوقف الاحتفالات داخل أروقة صُناع القرار الإسرائيلي طوال الساعات التي أعقب جريمة الاغتيال، تماماً كما عاشت كل فصائل المقاومة الفلسطينية وليس حركة “حماس” فقط أجواء الصدمة من قوة الضربة.

 

كان بإمكان العدو الإسرائيلي اغتيال “فقهاء” بواسطة صاروخ موجه من قبل طائرة استطلاع أو مروحية أو غيرها، لكنه يُدرك بأن خطوةً من هذا القبيل ستفتح أبواب جهنم على جمهورها، وأثبت أسلوب تنفيذ العملية بأن “إسرائيل” لا ترغب وغير مستعدة لتحمل تبعاتها في الوقت الراهن.

 

أما الاغتيال بأسلحة كاتمة للصوت “غير معهودة في غزة” فهي تشكل أسلوبا جديدا وأرادت دوائر صنع القرار السياسي في الكيان الإسرائيلي أن تجعله “مُرعباً” للجميع، للمواطن الفلسطيني الذي يعتبر غزة بمثابة “واحة للأمن والأمان”، وللأسرى المحررين الذين تتهم بعضهم بالوقوف وراء إعادة إحياء العمل العسكري في الضفة الغربية المحتلة، فهي تخبرهم بهذه العملية أن لا حماية لكم من رصاصنا في أي مكان، حتى وإن كان داخل قطاع غزة “القاعدة الأكبر للعمل العسكري والأمني لحركة حماس”، كما أن قيادة الاحتلال تُريد أن توجه رسالة لجمهورها الداخلي بأنها قادرة على “الأخذ بثأرها” من قتلة مواطنيها وكذلك فعلت بالمحرر “فقهاء” الذي أمضى عشرة أعوام داخل سجون العدو الصهيوني لاتهامه بالوقوف المباشر خلف التخطيط لعملية صفد التي أوقعت تسعة إسرائيليين قتلى. حينها حكمت عليه “إسرائيل” بتسعة مؤبدات وخمسين عاماً، لم يقضِ منه إلا العشرة سابقة الذكر، وخرج رغم أنفها بإرادة كتائب القسام وبصحبة المئات من أمثاله مقابل الجندي الإسرائيلي “جلعاد شاليط” الذي أسرته الكتائب من داخل دبابته على حدود قطاع غزة.

 

صحيحٌ أن الضربة التي وجهها العدو الإسرائيلي قوية وشديدة، وهي نتاج عملية متابعة ورصد طويلة لتحركات المقاومة وقادتها، وهي ضربة إن قامت على إثرها حركة “حماس” وكتائب القسام بإعلان حرب على العدو الإسرائيلي، فسيتم اتهامها بأنها تجر الساحة الفلسطينية إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، خاصة وأن غزة لم تتعافَ من معاناة الحرب الإسرائيلية الماضية 2014م، وهذا بكل تأكيد أحد أهم دوافع قيام “الموساد” الإسرائيلي باقتراف العملية بصمت ودون إعلان.

 

السؤال الذي ينتظر الجميع إجابة عليه إذاً: ما دامت “حماس” على الأرجح لن تُقدم على إشعال فتيل حربٍ مع الاحتلال الإسرائيلي في هذا الوقت تحديداً، وما دام الرأي الداخلي الفلسطيني والعربي يضغط عليها بعدم الصمت على تلك الجريمة، فما هو الحل وكيف سيكون التصرف من جانبها؟.

 

يقعُ على عاتق القيادة الجديدة لحركة “حماس” عبءٌ ثقيل في الوقت الراهن لتوضيح خطواتها التالية، وهو أحد أهداف عملية الاغتيال لهذه الشخصية الوازنة في كتائب القسام، فصعود المحرر يحيى السنوار إلى سدة قيادة الحركة  في قطاع غزة دفع العدو الإسرائيلي لتنفيذ عملية اغتيال وفي داخل حدود صلاحيات السنوار، برسالة مفادها “هذه علاقتنا معك يا سنوار، فماذا ستفعل؟”.

 

في بيان الحركة وجناحها العسكري حذرت كتائب القسام بقولها “إن هذه المعادلة التي يريد أن يثبتها العدو على أبطال المقاومة في غزة (الاغتيال الهادئ) سنكسرها وسنجعل العدو يندم على اليوم الذي فكر فيه بالبدء بهذه العملية”، وهذا تحذير شديد اللهجة اعتادت كتائب القسام على إطلاقه عقب كل عملية اغتيال، وفي الكثير من الأوقات أثبتت بأنها قادرة على الوفاء بما تتحدث به.

 

يقع على عاتق القيادة الجديدة لحركة “حماس” التعامل بدهاء وحنكة وذكاء شديد، فالعملية كما كانت “أمنية” بامتياز من جانب الاحتلال الإسرائيلي، فيقع على عاتقها أن يكون الرد بهذا الشكل، والأيام هي الكفيلة فقط بإظهار أيهما أشدُ مكراً: حماس أو “نتنياهو”؟.

 

لكن وللمهنية: فتحليق طائرات الاستطلاع في سماء غزة بشكل مكثف جدا على مدار الأيام الماضية لم يتم التعامل معه بالحذر المطلوب تجاهه من قبل المقاومة الفلسطينية، كما أن وجود قيادي يتحرك بهذا الشكل ودون مرافقين وحراسات بشكل مناسب، جعل العدو الصهيوني ينجح بتنفيذ العملية دون أن يترك بصمات في المكان، وبدون جهد عسكري كبير.