منذ أن بدأ المارد
الإسلامي يتململ ويحاول البحث عن نور في نهاية النفق الذي تعيش داخله البلاد العربية،
وذلك من خلال البحث للإسلاميين عن موطئ قدم داخل النُظم السياسية لتلك البلدان، للمشاركة
في بناء الأوطان بالفعل والتغيير باليد بعدما استمروا على مدار عقود من الزمن يمارسوا
سياسة التغيير باللسان أو القلب. عملاً بمبادئ التدرج في التغيير الذي ينتهجونه تجاه
التعامل مع الواقع، لكنها لم تنفع مع هذا الحال الصعب الذي تمددت فيه جذور الدول العميقة
حتى ضربت في باطن الأرض العربية، أو على الأقل لم تؤدِ الأهداف المطلوبة.
وبمجرد نجاح الإسلاميين
وأبرزهم جماعة الإخوان المسلمين، في صعود درجات السُلم السياسي في العديد من البلدان،
وذلك لمعرفة الجمهور العربي بطهارة أيديهم ودورهم في تقديم خدمات جليلة للمجتمعات التي
يعيشون فيها مثل إيواء الأيتام وتقدير المبدعين ورعاية الفقراء والأرامل، حتى اجتمعت
التيارات العلمانية واليسارية "التي باتت شعبيتها في الحضيض لفشلها في إدارة شئون
الدولة ببلادنا العربية". وأي منظمات أخرى مدعومة من دول الاستبداد والاحتلال
العالمي، وبفعل اجتماعها وحدت الأفكار ووضعت الخطط، ليس لإعادة ترتيب أوراق السياسة
العربية والبحث عن مساحات جديدة للديمقراطية التي تحترم كل الآراء كما يدَّعون، وإنما
لمهاجمة الإسلاميين.
خلال الهجوم الذي
تعرض له الإسلاميين، ركز الخصوم الخطط على اعتبار أن الإسلاميين يبدعون في شتى مجالات
الحياة مثل العمل الإغاثي والخيري والتعليمي والصحي وغيره، لكنهم لا يبدعون في العمل
السياسي ويفشلون باستمرار، وبذلك فالخصوم قسموا مجالات العمل على هواهم وحددوا كل طرف
يصلح لهذا العمل دون غيره. في التوليفة السياسية للخصوم، اعتبروا أن الإسلاميين لا
يصلحوا بأن يكونوا داخل البرلمان، أو الحكومة وسائر المؤسسات السياسية، واستدلوا على
أحاديثهم بأن القرآن الكريم لم يرد فيه مصطلح "سياسة" أو "عمل سياسي"
بمفهومها!، بالإضافة إلى استدلالات أخرى تُثير الضحك.
في محاولات التقسيم
التي يقوم بها الخصوم يثيرون الكثير من المغالطات، ولعل تقسيمهم مجالات العمل ينبع
كأساس من الأيدولوجية والأفكار التي يؤمنون بها، فالعلمانيون يؤمنون بفصل الدين عن
الدولة، بمعنى حصر شعائر الإسلام داخل جدران المساجد وحظر خروجها منها، وهذا منافٍ
تماماً لمقاصد الشريعة في كون الأحكام الشرعية إنما لتغيير حياة الناس نحو الأفضل،
وعدم حصرها في غرفٍ مغلقة أو غيرها.
ركز الخصوم الخطط
على اعتبار أن الإسلاميين يبدعون في شتى مجالات الحياة مثل العمل الإغاثي والخيري والتعليمي
والصحي وغيره، لكنهم لا يبدعون في العمل السياسي ويفشلون باستمرار.
من خلال ما سبق يتضح
المكان الذي خرج منه خصوم الإسلاميين بتقسيم مجالات عمل فئات وشرائح المجتمع، وفي محاولة
امتلأت وسائل الإعلام وغيرها بمصطلح "الإسلام السياسي"، وهو مصطلحٌ إنما
المقصود منه عند الحديث مساعي الإسلاميين للشراكة في إدارة البلد أو الدولة، فقط تلويث
الإسلاميين.
في جدلية الحديث
عن العمل السياسي وادعاء بعضهم بأن هذا المصطلح لم يرد نصاً في القرآن الكريم، نجد
أن الأمر يُشبه تماماً حديث بعضهم بأن القرآن الكريم لم يُحرم شُرب "الويسكي مثلاً"،
في تعامل أعور للمفهوم، فقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز آية قال فيها "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ"، وبذلك فالآية تشمل كل الخمور، أما تصنيف أنواع الخمور وذكر أنواعها
كل واحدٍ على حدة، فهذا أمرٌ لا يناسب الإعجاز القرآني وبلاغته العظيمة ولا يليق بجلال
الله تعالى.
ثم إن من قال بأن
كل أمرٍ من أمور الحياة يجب أن يشتمله القرآن الكريم، والعمل السياسي من أمور الدنيا،
ورغم ذلك فأين السُنة النبوية إذاً؟ وأين سيرة الخلفاء الراشدين والصحابة وغيرهم؟ وماذا
تعني الغزوات والمعارك التي قادها النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" بنفسه؟
ثم ماذا تعني السرايا والبعثات التي سيرها خارج المدينة؟ وماذا تعني المعاهدات التي
وقعها والرسائل التي أرسلها لأطراف متعددة؟ وماذا تعني الوفود التي استقبلها واللقاءات
التي عقدها؟ وماذا يعني هجرته من بلاده وتأسيسه للدولة في المدينة المنورة؟
أليست كُل هذه وغيرها
الكثير من أهم مرتكزات العمل السياسي؟ أم أن من يُحارب الإسلاميين في طموحهم يتلقى
تعليمات اتهامهم دون قراءة مناهجهم ومنطلقاتهم، إرضاءً لأسياده ومن جندوه لمهمات وأجندة
خطيرة ينفذها بكل دقة وحرفية داخل أوطاننا؟ وبذلك يصدق فيه قول "أمير الشعراء"
أحمد شوقي: أحرامٌ على بلابـله الدوح حلالٌ للطير من كل جنس؟
واضحٌ بأن خصوم الإسلاميين
يعملون جاهدين لإبقاء ساحة العمل السياسي حصراً لهم، ولا يرغبون بالمطلق بوجود الإسلاميين
إلى جوارهم حتى لا تنكشف عوراتهم أمام شعوبهم فتكون الفضائح حينها بالجملة، ويعرف الجمهور
العربي الأسباب الحقيقية والمتسبب في حالة الهوان والذُل التي نعيشها منذ عشرات السنين،
وهي حالة تستلذُ عليها تماماً القوى الغربية التي تستولي على خيراتنا على مدار الساعة،
بينما نحن مشغولون في تلمس احتياجاتنا الأساسية التي تُبقينا على قيد الحياة.


