الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 01:43 ص

مقالات وآراء

فبراير الأسود..

حجم الخط
د.خالص جلبي

في مثل هذه الأيام من الشتاء شهر شباط فبراير في عام 1982م قبل 35 عاما، كانت مدينة (حماة) على موعد مع كارثة، ليست من صنع الطبيعة؛ بل من صنع الإنسان.


إنه كان ظلوما جهولا.

كنت يومها في طهران بمناسبة الذكرى الثانية للثورة الإيرانية، كنا نعتقد فيها أنها ثورة إنسانية. واكتشفنا أنها ثورة غير إنسانية. شهودها قتلى أولاد يزيد في سوريا (عفوا أطفال الغوطة).


كان صديقي الجزائري من تلامذة المفكر (مالك بن نبي) المقربين يقفز بمقياس رياضي، يؤهبه لدخول الأولمب، وهو يزعق عجل الله فرجه. همست في سري: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.


ونشرت جريدة (كيهان) يومها خبرا مقتضبا بسيطا، أن ثمة تمرد في المدينة السورية يتم التعامل معه. هكذا لا أكثر ولا أقل. قلت لصبحي زنكنا من مجلس الشورى: تدخلوا عند صديقكم؟ قال من تتشفع لهم مجرمون يستحقون الموت.


كان الخلخالي القصير ببطن مدلى يأخذ طبقات خلف طبقات من عباد الله للإعدام. كلهم أعداء الثورة. ذكرني بكاسترو وفرق إعدامه، وستالين وبول بوت، وكذلك صاحبنا العربي صدام المصدوم والقذافي المقذوف وعبد الله المحروق وقرة المتقين الهارب.


لكن ماكان يجري في المدينة وتحت تعتيم إعلامي كان أمرا مريبا. كانت جثث الناس ملقاة في الشوارع وتحت الأنقاض. وفي أرقام قفزت إلى عشرات الآلاف. لقد كان غضب الأسد مزمجرا، وكمية الاستباحة تذكر بعصور تيمورلنك وجنكيزخان وأتيلا. ولكن ليس بالسيوف المجردة؛ بل بمدفعية وطيران، لاتدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم.


في القرآن الكريم في سورة الأنعام استعراض لأنواع من العذابات من فوق، ومن تحت، وتفتت البشر. قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات؟


أذكر منظرا من طائرة وهي تحلق بنا باتجاه القامشلي، والطيار (الحرايري) صديقي يريني منظر فيضان نهر الفرات الهادر، وتذكرنا الآية: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم. نفس المنظر تكرر في التسونامي في أقصى الأرض، حين أخذ نصف مليون من الأرواح في نصف نهار.


أما أهل حماة الذين مزقوا شر ممزق؛ فكان العذاب بتحول المجتمع كما في تأملات (كافكا) إلى كائن مشوه؛ شرائح وجماعات؛ فرعون وجنوده، سرايا الصراع والوحدات الخاصة، آلات قتل مريعة، أطفال رضع يمسكه الجندي من قدميه فيفسخه نصفين، بطون حوامل تبقر، نساء عجائز تغتصب، محلات تنهب، حارات بأكملها تدك بكل سلاح.


إنها ذكرى من ظلمات العصر العربي الجديد. ليس مانقرأه في كتب التاريخ؛ بل نحن أصبحنا التاريخ الذي يقرأ.


كتب طبيب حموي مسيحي (فواز حداد) نجا من الموت فصولا من الكارثة بعنوان: السوريون الأعداء. طبيب العيون (الشيشكلي) استصرخهم بوقف آلة الموت، كان الجواب في رصاصتين في عينيه فرجع مقتولا أعمى العينين. أما دكتور العظام (القندقجي) فقد أعادوه جثة، بدون عظمة سليمة في جسمه؛ فقد كسروا عظامه جميعا فمات حطاما.

خلال ثلاث أيام كانت الإذاعات تنقل طرفا مما يحدث في المدينة المطوقة المستباحة، ثم خرست دفعة واحدة. تم الاتفاق سرا على استخدام الآلة الأسدية في وجه التطرف الديني. التطرف الديني هنا ترجمته استباحة المدينة كما فعل المغول مع بغداد.


حسب روبرت فيسك لم يرتوي (رفعت الأسد) من دماء الناس بل أضاف بعد استسلام المدينة، جرّ خمسة آلاف إلى الشوارع، ونحرهم أمام بيوتهم. قال إنها جريمة بكل المقاييس.


صديقي الصباغ يروي عن بنت أخيه التي خضعت للعلاج النفسي في فرنسا، أنها اختبأت مع والدتها وخمسين امرأة في قبو البناية؛ فجاء وغد من الوحدات الخاصة الأسدية؛ فقتل الجميع فغرقن في دمائهن ولم تنجو سوى تلك الفتاة، التي وضعتها أمها تحتها، واستقبلت عنها رصاص الخبيث.


بقيت الطفلة ثلاث أيام تحت الجثث والدم، ثم تسللت لواذا وهربت؛ فأخذها أهلها سرا للعلاج النفسي بعد أن أصبحت نصف مجنونة، ثم اكتملت الحملة مايذكر بروما وحرق قرطاج، بجر عشرة آلاف وأربعمائة أسير (من العبيد) إلى سجن تدمر، وما أدراك ماتدمر؟ إنها لواحة للبشر لاتبق ولاتذر عليها حراس غلاظ شداد لايعصون مايؤمرون، ويضربون أبشار القوم بأذدناب الخيل بالغدو والآصال.


مجرمو (داعش) قاموا بجريمة مضاعفة حين هدموا بقايا الملكة زنوبيا في تدمر، التي وقفت في وجه روما، وكذلك آثار معتقلات الموت التي يجب أن تبقى كما هو الحال في سجن جزيرة الشيطان في غوايانا الفرنسية عظة وعبرة للأجيال.

والسؤال ولنقل العظة مما حدث، أنه العنف المزدوج المجنون المنفلت حيث ليس ثمة رادع. لقد اشترك الطرفان في الجريمة فهما عند ربهم يختصمون. مسلسل العنف والعنف المضاد، ومعها كامل الجريمة أيا كان القائم بها والساهر والمغذي والداعم.


كنت في ألمانيا حين تقدم مني زميل عمل ألماني بابتسامة عريضة جذلان؛ لقد أعدم في سوريا خلق كثير. لم أفهم فرحه بالدم بعد أن شبع الألمان من دماء الحرب الكونية بكلفة سبعة ملايين قتيل، كان ذلك بعد حادثة المدفعية، حين قتل ضباط على أساس الهوية الطائفية. ليلحقها حملات إعدام، ليلحقها أموات كثيرون، شباب ومكتهلون، ومازال الأمر كذلك؛ فقد طوقت ظلمات الجاهلية سماء العرب.