هذا السؤال الذي يشغل بال الفلسطينيين والمتابعين من غيرهم، منذ أن تم الإعلان عن اختيار الأسير المحرر يحيى السنوار قائدًا لحماس في غزة، خلفًا للسيد إسماعيل هنية، البعض متفائل وكثيرون متشائمون _وربما لهم الحق في ذلك_ بسبب الخلفية العسكرية للرجل، والتي تعكس انطباعًا متوقعًا لما يحمله لغزة من مواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي.
الناظر للوهلة الأولى _ودون تدبر_ من السهل أن يقع في هذا اللغظ الكبير، وذلك لأسباب كثيرة لا تخفى على أحدٍ، لكنها في غمرة سيطرة الخوف من أي حرب مقبلة على النفس البشرية، تغيب عن الأذهان، لذا فإننا سنحاول سويًا أن نراجعها، علها تضع الأمور في نصابها الصحيح:
- يسجل لحماس أولًا أنها لا تقدس الأشخاص، وليس فيها صنم مقدس، وهذا كان مثاليًا في هذه الانتخابات، التي جددت الدماء في عروق حماس كلها، فتغيرت القيادات والتشكيلات من أصغر الدوائر، إلى أكبرها في حماس.
- أما يحيى السنوار "أبو إبراهيم"، فهو من مواليد 1962م، حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية، من الجامعة الإسلامية التي كان رئيسًا ونائبًا للرئيس في مجلس طلابها، ولخمس سنوات متتاليات، اعتقل في الأعوام 1982م و 1985م و 1988م، وكانت الأخيرة هذه التي حكم عليها بعدها بأربعة مؤبدات، انتهت بخروجه في صفقة وفاء الأحرار عام 2011م، وداخل سجنه قاد الحركة الأسيرة لسنوات عدة، كما أنه كان رأس حربة التفاوض مع مصلحة السجون.. فالرجل ذو خلفية قيادية سابقة، وصاحب تاريخ جهادي لا يشك فيه أحد.
- السنوار تم اختياره رئيسًا لحركة حماس في غزة، بناءً على انتخابات ديموقراطية، فهو انتُخب بدءًا من منطقته الفرعية وصولًا إلى المحافظة فالمكتب السياسي، وانتهاءً برسالة حماس في غزة، فبالتالي يكون الرجل هو خيار أبناء حماس جميعهم، من القاعدة إلى الهرم، وما ارتضاه أبناء حماس _وهو وإخوانه في المكتب السياسي لحماس في غزة_ إلا لأنهم وجودوا فيهم الأهلية والصلاح، وهذا فيه ردٌ كافٍ على من أشعرنا في تعليقاته أن السنوار وصل إلى رئاسة حماس في غزة على كُرهٍ من أبناء حماس، وهذا الكلام غير صحيح أبدًا.
- "أبو إبراهيم" إنسان قبل أن يكون أسيرًا، وقبل أن يكون قائدًا عسكريًا أيضًا، ولنتذكر أنه رزق ابنه الأول "إبراهيم" وهو يبلغ من العمر 52 عامًا، لأن حبه لفلسطين دفعه أن للعمل من أجلها، وكلّفه زهرة شبابه داخل سجون الاحتلال، فدافعيةُ هذا الرجل الوطنيةُ والدينية للتضحية، لم توقفه عن دافعيته الإنسانية للحياة والتمتع بها.
- لاحظت بعض الحديث عن أنه ليس بمقدور أسير محرر أن يتولى عملًا قياديًا لأنه بحاجة ماسة للتأهيل خصوصًا بعد سنوات من الأسر والتغييب، وأنا بالمناسبة من دعاة هذا الحديث وأشدد عليه دائمًا، ولا أزعم أيضًا أن السيد يحيى السنوار شاذٌ عن هذه القاعدة.. ولكن، دعونا نتذكر أن الرجل لم يخرج يوم أمس، بل منذ خمس سنوات ونيّف، كما أنه طوال هذه السنوات لم يأخذ إجازة من العمل التنظيمي القيادي سياسيًا وعسكريًا لبرهة واحدة، بل كان يعمل وما زال في كل أروقة العمل التنظيمي، كان أشهرها عضويته للمكتب السياسي لحماس في دورته السابقة، فمن المنطق أن نقول هنا إن سنواتٍ خمسًا تؤهل هذا الرجل ليتولى هذا المنصب الرفيع وذا المسئوليات الجسام.
- نقطة غاية في الأهمية يغفلها البعض عن قصد، وآخرون دون علم، هو أن المكتب السياسي العام لحماس، أو ذاك الخاص بقطاع غزة، لا يتركز على شخصية السنوار وحده، فمن قبله كان السيد إسماعيل هنية، ولم يكن صاحب القرار الوحيد والأوحد، بل أمرهم شورى بينهم، فليس الأمر حكرًا على رئيس الحركة كائنًا من كان، وهذا ما يدفعنا للتأكيد أن تغييرات قد تطرأ على سياسة حماس المقبلة نعم، لكنها ليس جذرية لدرجةٍ تتغير فيها المعطيات، أو يرى فيها المواطن انقلابًا كبيرًا في الموازين، لمجرد أن شخصية سياسية أو عسكرية تولت الرئاسة وقادت الدفة.
هذه المتغيرات جميعُها قد تغيب عن ذهن العقل الخائف من المجهول، الخائف من نذير حرب قادمة، لذا فأصحاب التخوفات السابقة منطقيون لحدٍ بعيد لولا أنهم تمعنوا النظر قليلًا.
لكن، وحتى تكتمل
الصورة بشكل صحيح، ماذا نريد أن يحمل السنوار لغزة؟ أو بعبارة أصح: ماذا يريدون الغزيون
من المكتب السياسي المقبل؟
- نحن شعب أثقلته الجراح وأنهكته الحروب، يحتاج وقتًا مستقطعًا، على أن يكون هذا الوقت كريمًا تتوفر فيه كل الحاجات الإنسانية للبشر، من رزق وعمل وحرية حركة، فرغم مرور أكثر من عامين على الحرب الأخيرة، إلا أن غزة ما زالت على حال الحصار المستمر منذ 2006م، وتتكدس فيها المشاكل الاجتماعية التي لا يصلح معها أن نطلب من المواطن العض على النواجذ.. هذا الوقت المستقطع تستغله حماس أكثر لتجهيز قوتها العسكرية والتعبوية والسياسية والإعلامية ..إلخ، لأي مواجهة تُفرض علينا كفلسطينيين، كما أنه يكون فرصة لإصلاح كثير مما فسد بين حماس والجماهير طوال السنوات الماضية.
- العمل الحكومي يشوبه الكثير من المغالطات، وهو في النهاية عمل بشري معرض للصواب والخطأ، لكن الأمر يحتاج إلى مراجعة واهتمام، يحتاج إلى إعادة تقييم لصورة الشرطي والموظف والمدير العام والوكيل، لتغيير صورة نمطية أساءت كثيرًا لحركة حماس، والتي ينظر المواطن العادي أنها تمثل حماس، حتى إن كان هذا الكادر الحكومي لا ينتمي لحماس أصلًا.
- أن يعاد للمساجد دورها الحقيقي والكبير، أن تعود مكانًا للتوعية والتثقيف وعمل الخير، أن يعود الشباب لهذه المساجد لا لأداء الفرائض فقط، بل ليمارسوا الدور المنوط بهم، هذا الدور الذي كان سببًا في عِظم هذه الحركة وامتدادها وقوتها.
هذا ربما ما أسعفتني به الذاكرة، لكن بالتأكيد هناك كثير من التحديات المطلوبة من حماس، التي نأمل أن تكون على قدرها، وأن تبذل قصارى جهدها لتجاوزها.
وفي الختام.. اختيار
يحيى السنوار إن كان صعبًا على أحدٍ، فهو "السنوار" نفسه، لعظم المكانة التي
سبقه بها كرام شهداءً وأحياءً، ثم لصعوبة الفترة والظروف التي ازدادت تعقيدًا، فمن
جهة حكومة إسرائيلية يمينية ينادي وزراؤها بوأد الفلسطينيين حتى من حملة الهويات الزرقاء،
وإشعال حرب مع جبهة الجنوب "غزة"، ومن جهة أخرى إقليمٌ يعدُ القطاع ورقة
يستخدمها لإيصال الرسائل للآخرين، وأتعس من ذلك كله رئيس أمريكي جديد زاد الطين بلة،
وأعلن صراحة عن رغبته في سكب البنزين على النار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهذا
كله يتطلب حسمًا وقوة وصلابة، نحسبها في "السنوار" وإخوانه.


