الخميس 15 يناير 2026 الساعة 07:35 م

مقالات وآراء

حُرية عشوائية ومسؤولية غائبة

حجم الخط
أيمن دلول

ساعاتٌ من التصعيد والعدوان قام بها الاحتلال الصهيوني في غزة كشفت الخاصرة الضعيفة لهذا الشريط الساحلي الذي يسكنه مليوني مواطن وزيادة، يعانون الحصار المزدوج من أطراف عدة، أبرزها ذلك الاحتلال منذ عقد من الزمان وزيادة. مسألة القذائف والصواريخ التي تُطلقها "إسرائيل" من داخل حصونها، ومن خلف الجدران، ليست ما يؤثر بالسلب على المواطن الغزي، فوصول تلك القذائف إليه كما هو معلوم بالضرورة لن تدفعه إلا لمزيد من التوحد والتكاتف والتماسك في مواجهة الاحتلال. صحيح أن جسم المواطن الغزي لا تزال الدماء القانية تلونه، إلا إنه حينما يرى العدو قادما من أمامه يتناسى كل الجراح ويزمجر غير آبهٍ بكل ترسانة الاحتلال وأعوانه.

 

لا أقول بأن كل "مواطن صحفي" بالضرورة هو عميل للاحتلال، ولكن بالضرورة أن كل من ينشر منشورا يجب أن يتحمل مسئوليته، وكل حرية صحفية يجب أن يقابلها مسئولية اجتماعية.

إن الخاصرة الضعيفة التي كشفها العدوان هذه المرة تتمثل في الانتشار الكبير لوسائل الإعلام الجديد ودورها المؤثر في المجتمع الفلسطيني، فلم نعد نتحدث بأن أي تصعيد سيقوم بمتابعته ونقل تفاصيله وسائل الإعلام التقليدية وبخاصة الإذاعات المحلية فقط، إنما تجاوز هذه الوسائل الانتشار والمتابعة الأكبر لوسائل الإعلام الجديد، ولعل أهمها في غزة وفلسطين بشكل عام موقع الفيس بوك وبرنامج الدردشة المعروف "WhatsApp"، فقد أثبت التصعيد الأخير بأنهما الأسرع في نقل الخبر وسعة انتشارهما، لكنهما وكما أنهما تنشران الخبر، فإنهما تنشران الرعب والخوف بنشرهما للشائعات والأخبار الملفقة وغير الدقيقة، والفرق بين النشر الأول والثاني هو القائم بعملية الاتصال وأهدافه.

 

صحيحٌ إنه بانتشار تلك الوسائل انتشر "المواطن الصحفي" لدرجة أن الكثير من أولئك بات انتشارهم وعظيم أثرهم أكثر كثيراً من بعض الإعلاميين والصحفيين أصحاب الخبرة والكفاءة. لكن ليست المشكلة في حد ذاتها بانتشار المواطن الصحفي، إنما المطلوب أن يكون أولئك النشطاء أدوات بناء لمجتمعنا الفلسطيني، وهذا يأتي من خلال تعليمهم وتثقيفهم أساليب النشر الصحفي والإعلامي بما يتماشى مع أخلاقنا وقيمنا ولا يضر أبنائنا من رجال مقاومتنا الأبطال وقادتها الميامين، والتعليم والتثقيف المطلوب بكل تأكيد سيجعل مهمتنا سهلة للغاية لانتزاع تلك "العلقات" التي تنتشر عبر ساحات الإعلام الجديد تحت لافتة "المواطن الصحفي".

 

وما دامت ساحتنا بحاجة للتعليم والتثقيف، ولتكون المعادلة متوازنة تماماً في التعامل مع كل نشر على هذه الوسائل، فهي بحاجة لأداة رادعة بحيث يتم استخدامها حين اكتشاف المتربصين بساحتنا وجبهتنا الداخلية من خلال وسائل الإعلام تلك، وهذا العمل سيكون من اختصاص جهتين لا ثالثة لهم "حتى وإن أغضب هذا الأمر بعض الأطراف، فجبهتنا الداخلية أهم من جعجعة البعض"، وهذه الجهات هي وزارة الإعلام وجهاز الأمن الداخلي.

 

 أدرك بأن المهمة كبيرة والأعباء كثيرة، لكن قوة الجبهة الداخلية هي الأداة الأهم لانتصارنا وإفشال مخططات عدونا، ولعل ضبط العمل الإعلامي وحمايته من التشهير والإرباك والتخويف أبرز معالم حماية جبهتنا في مواجهة عدونا. لكن قد يسأل أحدهم: ولماذا الأمن الداخلي دون غيره في مسائل إعلامية وصحفية؟. إن الاحتلال الإسرائيلي منذ انسحابه من قطاع غزة تحت ضربات المقاومة الفلسطينية عام 2005م بات يجد صعوبةً كبيرة في تجنيد بعض العملاء والساقطين لتدمير جبهتنا من الداخل، وبات يلجأ إلى أساليب أخرى التفافية، من أهمها وسائل الإعلام الجديد، ولذلك فهذه البيئة خصبة لاستخدام المغفلين، أو الذين تم تجنيدهم من قبل الاحتلال، وبذلك فمهمة مواجهة مثل هذه الجهات تقع على عاتق هذا الجهاز.

 

للوهلة الأولى يشعر من يسمع هذه الأخبار ليس بأن "إسرائيل" قد قرعت طبول الحرب، وإنما يجعل الإنسان يشعر كأن ساحة غزة تعيشُ حرباً حقيقية.

لا أقول بأن كل "مواطن صحفي" بالضرورة هو عميل للاحتلال، ولكن بالضرورة أن كل من ينشر منشورا يجب أن يتحمل مسئوليته، وكل حرية صحفية يجب أن يقابلها مسئولية اجتماعية حتى لا يتحول مجتمعنا لغابة لا أحكام ولا أعراف تضبطها. يجب ألا يغيب عن بالنا بأن الكثير من الناس بات يتسلق قبة "العالم الأزرق" بغرض الشهرة وجمع الإعجابات والتعليقات، ولا يعنيه كثيراً مآلات منشور يقوم بترويجه في ساحات هذا العالم، وإلا فكيف يمكن تفسير قيام البعض بنشر أخبار مغلوطة في لحظات القصف لأراضي زراعية مفتوحة، حول "استهداف سيارة مثلاً فيها أربعة أشخاص" وسط غزة، و"انتشار الدبابات على حدود غزة الشرقية"؟!

 

للوهلة الأولى يشعر من يسمع هذه الأخبار ليس بأن "إسرائيل" قد قرعت طبول الحرب، وإنما يجعل الإنسان يشعر كأن ساحة غزة تعيشُ حرباً حقيقية، وحينها سيكون الصحفي الحقيقي إلى جانب المواطن أكثر الخاسرين والمتوترين من نشر هذه المنشورات غير المسئولة، وبدلا من تركيز الصحفي الحقيقي لمتابعة ورصد اعتداءات الاحتلال التي جرت، سيتجه للانشغال بمسائل أخرى تتعلق بنفي هذه المعلومة وتلك الشائعات.

 

ستبقى تتكرر حالة الإرباك، وسنكرر الغرق تحت أمواج الشائعات إن لم يقم المسئولون في بلادنا بمحاسبة، بل والضرب بيد من حديد على يد كل عابث بأمن البلد وحالته المعنوية، فهذا البلد الذي صمد في وجه اعتداءات "إسرائيل" المتكررة وأفشلها، لا يجوز أن نهزمه من الداخل نتيجة أفعال بعض الصبية والمراهقين المنفلتين المطمئنين بغياب المحاسبة لهم، واعلموا أن أعظم هزيمة للإنسان تلك التي تأتيه من الخلف.