الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:15 م

مقالات وآراء

تركيا والهوية الإسلامية

حجم الخط

في معرض تبريرهم لجريمة إطلاق النار على مطعم في اسطنبول ليلة رأس السنة، استحضر من تبنوا الجريمة ومن يدافعون عنهم كل ما في قاموسهم من أكاذيب وادعاءات: ملهى ليلي، اردوغان وحكومته علمانيون مرتدون، تركيا توالي أعداء الله، والعدالة والتنمية لا علاقة له بالإسلام، بل زادوا على ذلك إعادة نشر أخبار ملفقة من نوعية أن العدالة والتنمية زاد عدد بيوت الدعارة، وسمح بشاطئ للعراة في تركيا، وخفف الرسوم والضرائب على الخمور وغيرها دون دليل واحد على ما ينشرون.

 

لكن بلا شك أن الكثيرين ممن لا يتابعون ومن يتلقفون الأخبار كما هي دون تمحيص سيساورهم الشك فيما ينشره هؤلاء، خاصة مع ازدياد نشاطهم المحموم على شبكات التواصل الاجتماعي مع كل جريمة يقترفونها ويزهقون فيها أرواح مسلمين أو مستأمنين.

 

تركيا في عهد أردوغان والعدالة والتنمية ورثت ما يقرب من القرن من القوانين والتشريعات التي تحارب كل ما ينتمي للإسلام، ومنظومة عسكرية انقلبت مرات ومرات على خيارات الشعب التركي ووصل بها الأمر لإعدام رئيس الوزراء التركي السبق عدنان منديريس الذي حاول إعادة تركيا لهويتها الاسلامية فأعاد الأذان باللغة العربية وأنشأ المدارس لتدريس اللغة العربية وشيد 10 الاف مسجد وفتح 20 ألف مدرسة لتحفيظ القرآن و22 معهد لإعداد الدعاة لنشر الإسلام الصحيح، كما عمل على تقوية العلاقة مع الدول العربية وفي نفس الوقت قام بطرد السفير الإسرائيلي عام 1956.

 

ولا ننسى في السياق محاولات الزعيم التركي الراحل نجم الدين أربكان المتكررة وتدخل الجيش ضده في كل مرة لإعادة البلاد للعلمانية بقوة السلاح.

 

استوعب أردوغان وحزب العدالة والتنمية دروس الماضي...

 

سنستعرض هنا بعضاً من أفعال لا أقوال حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتعامل بذكاء منقطع النظير لإعادة تركيا لهويتها الاسلامية دون ضجيج وبتدرج جميل يمتص الصدمات والاعتراضات، ومن خلال المنظومة القانونية والتشريعية القائمة، وبالتفاف شعبي وجماهيري داعم للتغيرات التي تعيد الشعب لفطرته السليمة...

 

والحديث ليس عن الإنجازات الاقتصادية أو المواقف السياسية لكن عن الاجراءات والتغييرات الدينية في تركيا ومجتمعها:

 

بين عامي 2002 و2013 تم بناء 17000 مسجد في أنحاء تركيا وترميم عشرات الالاف من الحقبة العثمانية

رفع حظر ارتداء النساء للحجاب في المؤسسات والمكاتب الحكومية والمدارس والجامعات...

وبعد قصة مروة قاوقجي النائبة عن حزب الفضيلة الاسلامي الشهيرة في 2 مايو/أيار 1999 وطردها من قاعة البرلمان ثم سحب جنسيتها التركية، دخلت 3 سيدات محجبات البرلمان التركي كنائبات عن حزب العدالة والتنمية في العام 2011، ليزيد العدد في الدورة التالية لست سيدات، ليصل اليوم لأكثر من 20 نائبة محجبة في آخر انتخابات برلمانية.

 

وفي أغسطس 2015 تم تعيين أول وزيرة محجبة في حكومة تركية، وفي نوفمبر 2015 تم تعيين أول قاضية محجبة.

 

ازدياد عدد الطلاب في مدارس الإمامة والخطابة من 65000 طالب في العام 2002 إلى 658000 عام 2013 وصولاً إلى أكثر من مليون طالب اليوم.

إدخال التعليم الديني كمنهج رسمي اجباري في المدارس التركية ابتداء من العام الدراسي 2012 - 2013 ومن سن السادسة وهو ما أثار حفيظة العلمانيين الأتراك، لكن وبحسب صالح يلماز - وهو المستشار الأسري في مدرسة فاتح الحكومية للمرحلتين الأولية والمتوسطة - فأن هناك إقبالا كبيرا من الأهل على تسجيل أبنائهم لتلقي دروس القرآن الكريم والسيرة النبوية قائلاً "إنهم يرغبون ليس فقط بتعليم أبنائهم تعاليم الدين الإسلامي فحسب، بل متابعة دراستهم التخصصية في العلوم الإسلامية مستقبلا".

في العام 2014 أوصى مجلس التعليم بإدخال تدريس "اللسان العثماني" (اللغة التركية بالخط العثماني العربي) كمادة اجبارية في المدارس الاعدادية، وفي هذا الصدد قال أردوغان الاثنين "العثمانية ستدرس ويجري تعلمها في هذا البلد ان أحبوا ذلك او كرهوا"، وذلك في اشارة الى ان الحزب الحاكم لا يسعى الى الحصول على توافق حول هذه السياسات.

وأوصى مجلس التعليم ايضا بزيادة عدد الحصص الدينية للتلاميذ الاكبر سنا من ساعة واحدة الى ساعتين اسبوعيا.

 

ومن التغييرات الاخرى التي اوصى بها المجلس أيضاً السماح للطلبة في المرحلة الرابعة فما فوق بترك مقاعد الدراسة لسنتين من اجل حفظ القرآن، والغاء التدريب الذي يحصل عليه طلبة معاهد السياحة حول كيفية تقديم المشروبات الكحولية للزبائن.

 

الغاء التحديد العمري بسن 12 سنة لمن يرغب بدراسة أو حفظ القرآن، بل أعلنت الحكومة في العام 2013 عن برنامجها لتدريس وتحفيظ القرآن قبل مرحلة الدراسة "Qur’an courses for preschoolers".

بعكس ما يروج له البعض في إعلامهم وتقاريرهم، حارب حزب العدالة والتنمية الخمور بأشكالها، لكن بشكل تدريجي في مجتمع يهيمن عليه الاعلام العلماني وشريحة كبيرة من العلمانيين والملحدين، ففي شهر مايو/أيار من العام 2013 صدر قانون بحظر بيع المواد المسْكرة من الساعة الـ 10 ليلاً حتى الـ 6 صباحاً، ولا تستثنى من ذلك المناطق السياحية، ومنع بيع الخمور على حافة الطرقات التابعة للدولة، والمؤسسات الحكومية، وعدم بيع الخمور لمن هم دون سن الـ 18، وعدم السماح لأي إعلان يروج لعلامة تجارية خاصة بنوع من أنواع الكحول، ومنع بيعها ايام الجمعة، مع غرامات تصل إلى 270 ألف دولار للمخالفين.

وفي هذا السياق حوّل حزب العدالة والتنمية أكبر الحانات والبارات إلى منتجعات سياحية تتبع البلدية في أجمل المواقع خاصة في اسطنبول مع تحريم بيع الخمور فيها.

وحتى قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وحين كان أردوغان رئيساً لبلدية اسطنبول، تقول الكاتبة إحسان الفقيه: فإنه لم يكتف بمحاربة وإغلاق نوادي القمار والخمارات وبيوت الدعارة، بل إنه ذهب إلى زيارة زعيمة (بائعات الهوى) ليعرض عليها التوبة لها ولمن معها، ويوفر لهن حياة كريمة. وثار العلمانيون، مُندّدين بتوجّهات هذا الرجل الذي يعمل على تقويض العلمانية وأَسلمة إسطنبول، وزاد من الهجمة العلمانية الشرسة، دعوة أردوغان إلى صلاة الاستسقاء في جميع المساجد، ليفتح شهية الأتاتوركيين للنيل منه، واتّهامه بالتخلف والرجعية والدروشة، ليفاجأ الجميع بأن السماء قد أمطرت، وملأ ماؤها الخزانات الفارغة.

التوسع في التعاملات المصارف الاسلامية حيث من المتوقع أن يصل عدد فروع مصرف Ziraat Islamic bank إلى 170 فرع في أنحاء تركيا بحلول العام القادم (2018).

في شهر نوفمبر 2013 صرّح أردوغان في كلمته الاسبوعية امام نواب حزبه "لم ولن نسمح باختلاط الفتيات والفتيان في مساكن الدولة".

ورغم أن 75% من مساكن الطلاب التي تديرها مؤسسة يورتكور الرسمية تفصل بين الشبان والشابات بحسب مصدر رسمي، وبأنه يفترض الا يبقى اي منها مختلطا مع مطلع 2014 إلا أن أردوغان أكد انه لن يكتفي بذلك متحدثا عن فكرة توسيع معركته لتشمل مساكن الطلاب الخاصة والسكن المشترك.

 

وصرح امام نوابه "لا يمكن للطلاب والطالبات الاقامة في المنزل نفسه، هذا مخالف لبنيتنا المحافظة الديموقراطية".

 

بعد حملة شرسة من العلمانيين الأتراك ونواب في البرلمان الأوروبي على تصريحه السابق ووصف ما يقوم به بأنه قتل لتركيا العلمانية وأسلمة لتركيا، رد بشكل علني هذه المرة وتساءل أثناء مؤتمر صحفي قبيل توجهه إلى فنلندا في زيارة رسمية في شهر نوفمبر من العام 2013 "كيف يمكن لبنت وولد أن يقيما معا في سكن خاص؟ هل يمكن أن تتسامح مع مثل هذا لابنتك أو ابنك؟".

في 9 أبريل/نيسان 2016 أردوغان يطالب بدولة مسلمة دائمة العضوية في مجلس الأمن.. لأن كل دول "الفيتو" مسيحية.

أعاد أردوغان وحزب العدالة والتنمية الاعتبار للتاريخ الاسلامي العثماني، فبعد أبيات من الشعر قالها 12 ديسمبر/كانون الأول 1997 تم سجنه ومنعه من ممارسة الحياة السياسية لأعوام، ليعود ويلقي نفس الأبيات خلال حملة انتخابه رئيساً للجمهورية ليقول ويكرر:

“مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمؤمنون جنودنا، هذا هو الجيش المقدس الذي يحرس ديننا”.

 

إطلاق مسيرة مكونة من عشرة آلاف طفل مسلم يبلغوا السابعة من العمر - يجوبون شوارع إسطنبول معلنين بلوغهم سن السابعة متفاخرين بأنهم سيبدؤون بأداء فرض الصلاة.. وحفظ القرآن ...!؟

---

 

كان هذا سرد لبعض ما قام به حزب العدالة والتنمية التركي منذ استلامه سدة الحكم...

 

لكن تبقى هناك أسئلة تثار من باب التشكيك، نورد رداً عليها من الكاتبة احسان الفقيه التي كتبت تحت عنوان: "لماذا لا يقوم أردوغان بإعلان الخلافة الاسلامية" فقالت:

 

ولكن، هل سيسمح له الجيش التركي العلماني الذي أعدم سلفه مندريس؟

 

وهل دستور الدولة الذي ينص أن تركيا دولة علمانية يسمح له بالاقتراب من الإسلام؟

 

وتلك هي ملامح الواقع المر.

 

أولًا: أردوغان ورث تركة علمانية ثقيلة وتبعية مطلقة للغرب، ورث 600 معاهدة مع الغرب وحلف الناتو، ورث عشرات القواعد التجسسية الأمريكية المجهزة بأحدث الأجهزة الإلكترونية السرية ومواقع الرادارات والبث اللاسلكي وفك الشيفرة، والتي لا يسمح لتركي الدخول أو الاقتراب حتى جنرالات الجيش!

 

ثانيًا: أردوغان ورث دولة عميقة بكل أذرعتها الضاربة في الجامعات ورؤساء الجامعات وعمدائها ومؤسسة التعليم العالي التي تشرف على ما يقارب 100 جامعة؛ حيث تقوم بتصفية الأساتذة الذين يحملون اتجاهات إسلامية، والمؤسسات المدنية القوية المعادية لكل ما يمت للإسلام بصلة والنقابات اليسارية والعلمانية والشيوعية!

 

ثالثًا: أردوغان ورث وسائل الإعلام القوية من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية متعددة، والمحاكم بمختلف مستوياتها ودرجاتها حتى الوصول إلى المحكمة الدستورية العليا التي هي أعلى محكمة في تركيا، والتي أصبحت من أدوات القمع والاستبداد في يد العلمانيين المتطرفين!

 

رابعًا: أردوغان ورث أخطر مؤسسة في الدولة العميقة وهي المؤسسة السرية (كلاديو) التي يقف وراءها حلف الناتو، وهي منظمات عسكرية مسلحة متدربة على الاغتيالات والتفجيرات للمقاومة وحرب العصابات فيما لو احتلت تركيا من قبل الاتحاد السوفييتي، ومع أن هذه المنظمات ألغيت بعد انهياره عام 1989؛ إلا أنها بقيت نشطة جدًا في تركيا وكثيرًا ما تقوم بعمليات إرهابية دموية!

 

خامسًا: أردوغان ورث دولة مركبة ومعقدة من أعراق وإثنيات متعددة ترك وكرد وأرمن وأذربيين وعرب، ومن أديان مختلفة متناقضة مسلمين وعلويين ومسيحيين ويهود.

 

سادسًا: أردوغان ورث مؤسسة عسكرية عريقة في الانقلابات والإعدامات منذ عام 1960عندما أعدمت رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس.

 

سابعًا: الغرب المتآمر الذي يعتبر تركيا وريثة العثمانيين العدو التاريخي الأبدي له لن يعدم ألف وسيلة للتآمر والخديعة، ما دام أنه يسيطر على المنظمات الدولية ويملك ترسانة عسكرية هائلة ولديه منظومة استخباراتية وتجسسيه."

 

وأخيراً

 

فإن أردنا أن نحاسب حزب العدالة والتنمية أو اردوغان فالحساب يكون وفقا لانطلاقاته ومبادئه وأهدافه، ووفقا لبرنامجه الانتخابي والرئاسي والحزبي، وبالنظر للظروف المحيطة به، ولثقافة البلد

 

ما يميز أوردغان وحزبه نظرتهم للإسلام في قيمه العليا وأهدافه العظمى كالحرية والعدل والعيش الكريم والكرامة الانسانية، وسط أجواء عدائية داخلية وخارجية

 

فهنالك ما هو أولى بالتطبيق وأهم في التنفيذ وأسهل في الادراك والتحصيل...

 

هم ليسوا ملائكة وليسوا منزهين...

 

أردوغان ليس قديساً ولم يعلن نفسه أميراً للمؤمنين ولا خليفة كما يتهمه من يكرهونه...

 

هو ببساطة رئيس لتركيا بسكانها ال 76 مليوناً، يعمل ضمن دستور ما زال حتى اللحظة علمانياً بامتياز منذ العام 1937، يتقدم بخطوات مدروسة ومتدرجة نحو إعادة الهوية الإسلامية لتركيا...

 

تحركه بلا شك مصلحة بلاده أولاً لكن دون أن يغفل عن المحيط العربي والاسلامي...

 

حزب العدالة والتنمية حقق في فترة قصيرة جداً ما لم يحققه اي حزب آخر ورفع تركيا لمصاف الدول الكبرى...

 

يكفي لأي زائر لتركيا أن ينظر حوله ليشاهد ما يشعرك بالفخر بأنك في بلد إسلامي متقدم...

 

يكفي أن تتحدث مع أي تركي عن اي قضية إسلامية لتلمس التحول الرهيب من العداء المطلق إبان حكم العسكر في ظل العلمانية المتطرفة إلى التفاعل والتضامن والدعم لكل قضية إسلامية مهما كبرت أو صغرت...

 

يكفي أن تسأل في اي يوم من أيام السنة عن الأنشطة واللقاءات والمؤتمرات التي تعقد دون توقف في اسطنبول لتناقش قضايا الأمة الإسلامية...

 

لا ندافع عن حزب ولا نقدس شخص...

 

لهم بلا شك هفوات وأخطاء...

 

لكن هل المطلوب أن نعود تركيا إلى ما كانت عليه قبل العام 2012؟

 

هل كانت تركيا قبلها أفضل أم أنها اليوم أفضل؟

 

والسؤال ليس عن الجوانب الاقتصادية والتنموية...

 

بل عن الجانب السياسي والديني...

 

عن عودة تركيا لهويتها الإسلامية ومناصرتها لقضايا المسلمين...

 

لا ندافع عن حزب ولا نقدس شخص...

 

لكننا نسرد واقعاً مشرفاً يحاول البعض تشويهه...

 

لا لشيء إلا لإفشال أي تجربة إسلامية من اي نوع...

 

ولهذا تُستهدف تركيا وحزبها ورئيسها!