يُحكى أن رجلا كان
يعيش في إحدى بلادنا العربية عرف الناس عنه كثرة الحديث والإفتاء في كل شأن وأمر من
شئون العباد والبلاد، وأكثر ما اجتهد خلال سنوات عمره للحديث عنه، الوصفات العلاجية
لأمراض كانت تصيب أهل قريته غالبها كان ناتج من حالة الوهم والتخلف التي سيطرت على
عقولهم على مدار عقودٍ من الزمن.11
بات بيت “مرزوق”
عنوانا لأهل قريته الذي يعانون من أزمات نفسية مختلفة، وكون “مرزوق” من أهل هذه القرية
فقد قرر أن يسوق الوهم على أهل قبيلته “المغفلين” والبُسطاء، فأصبحت المرأة التي لا
يحبها زوجها مثلاً تعمل بوصفته حينما يطلب منها أن تغلي “الخبيزة ” وتشربها لمدة سبعة
أيام وتعمل على الرد بأية كلمة على زوجها خلال طلبه منها أي مسألة، لتأتيه في الأسبوع
التالي بالبُشرى ونجاح العلاج في اقتراب زوجها منها!!.
كان “مرزوق” يجلس
مع زوجته بعد كل نجاح موهوم ويبدأ الاثنان التحضير للضربة التالية بعد ما اكتسبوه من
نقود وأموال عقب كل شفاء لحالة مرضية كانت تأتي، ولما أن ذاع الخبر وانتشر بشهرة “مرزوق”
في أهل قريته اقترحت عليه زوجته بضرورة تعليق يافطة على مدخل القرية تحمل اسمه وشهرته.
اختلف “مرزوق” وزوجته
بداية على الصيغة التي يجب أن تكون عليها اليافطة التعريفية، فزوجته تريد أن يكتب على
اليافطة: “مرزوق ” الدكتور ونص لعلاج كل الأمراض والأوجاع المستعصية، أما هو ولأنه
يعرف قدراته وأنه لا يمتُ للطب بصلة فقد رفض بداية، إلى أن جلس مع نفسه جلسة أخرى واستذكر
الحالات التي قام بعلاجها فصدق نفسه وهتف هاتفٌ في عقله: لقد صَدَقت زوجتي فأنا دكتور
ونص، ثم الأطباء أفضل مني في ماذا؟.
كتب اليافطة وزين
بها مدخل قريته فمر أحد الرحالة ليقرأ المكتوب، ضحك من نصه، لكنه سأل عن حقيقة “مرزوق”
في تلك القرية ليجد كل إشادة وحديث عن إنجازات وإبداعات داخل قرية لذلك الطبيب، بل
ولمسات لم تحدث على مدار تاريخ تلك القرية!!.
عاد الرحالة إلى
قريته فوجد القبيلة بحالة إرباك نتيجة مرض ابن الزعيم، فقد عجز الأطباء عن علاج فلذة
كبده الذي أصيب بإعطاء شديد بعد أن علقت شوكة سمك في حلقه حينما كان يتناول وجبة شهية
من السمك. احتار الزعيم حتى رصد نصف ملكه لمن ينجح بعلاج ابنه.
توجه الرحالة إلى
الزعيم وأخبره بقصة الدكتور “مرزوق”، فلم ينتظر الزعيم كثيرا وحمل معه الهدايا والعطايا
وسار بابنه المريض إلى قرية “مرزوق” الذي فوجئ بموكب كبير ورفع المستوى يبحث عنه في
الحواري وبين الأزقة، ولما علم بأنه زعيم القبيلة الثانية جاء لعلاج ابنه وقع في ورطة،
فذلك الزعيم كان داهيةً وليس من السهل الضحك عليه كما يحدث مع أهل قريته.
وقف زعيم القبيلة
على باب الغرفة التي يعالج بها “مرزوق” المرضى وطلب منه علاج ابنه وإن نجح فسوف يمنحه
نصف ملكه، وإن لم يفعل فسوف يقتله. استمر الزعيم يدور حول الغرفة في حالةٍ من القلق
الشديد على مصير ابنه، بينما كان “مرزوق” داخل الغرفة هو الآخر يدور حول ابن الزعيم
ويضرب الكف بالأخرى دون أن يعرف ما يفعل، فقد وجد بأن نهاية مكره على أهل عشيرته ستؤدي
حتما لقطع عنقه.
وبين الفترة والأخرى
كان الزعيم يدخل على “مرزوق” لمعرفة عما فعله لابنه، فيجده يخبره بأن الحالة مستعصية
ولم يتمكن من علاجه بعد. ولما أن طال الأمد دخل الزعيم المرة الأخيرة وهدد “مرزوق”
بأشد العبارات: خلال ساعة إن لم تقم بعلاج ابني سأقطع رأسك.
ارتعدت فرائس “مرزوق
” لهذا التهديد ووجد أن مسألة قتله باتت قاب قوسين أو أدنى، حينها قرر ألا يكون ميتا
دون أن يدفع الزعيم الثمن، فقرر قتل ابن الزعيم قبل أن يقتله. أحاط “مرزوق” بيديه حاول
عنق ابن الزعيم محاولا خنقه، ضغط بشدة فتحركت شوكة السمك من حلق ابن الأمير وصحا من
غيبوبته وبدأ بالصراخ يستنجد، حينها سمع الزعيم صراخ ابنه فدخل الغرفة يحتضن ابنه الذي
أخبره بأن “مرزوق” حاول قتله، غير أن الزعيم لم يصدق رواية ابنه وشكر الله أن ابنه
تكلم وتم علاجه.
في الوقت الذي انشغل
الزعيم بالحديث مع نجله، وقف “مرزوق” مذهولاً مما جرى وغير مصدق بأن محاولة قتله لابن
الزعيم هي التي أنجدته من ورطته وأبقت رأسه موصولاً بجسمه، بل إنه سرح بفكره: حقاً،
أن دكتور ونُص.
استلم “مرزوق” نصف
مملكة ذلك الزعيم فلم يتوانَ كثيراً، حمل أمتعته وزوجته وغادر قريته باتجاه جزيرة نائية
لا يعرفه فيها أحد، فهذه المرة حاول خنق ابن الزعيم فكانت نتيجة القتل حياة ذلك المريض،
ومن يدري كيف ستكون نتيجة علاج حالة أخرى.
إن حالة الدكتور
“مرزوق” باتت متكررة في واقعنا العربي للأسف الشديد، وهي بمثابة انعكاس لكافة التخصصات
في حياتنا، يمارسها الكثيرون دون علمٍ فيحصدون الجوائز والألقاب كونهم يعيشون في مجتمعات
لا تُفرق بين المتعلم الحقيقي من ذاك الذي يستلق جدار المهنة، ولذلك فمجتمعاتنا تعيش
في حالةٍ من الانحدار بحاجة لمن يتداركها قبل فوات الأوان.
