السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 12:08 ص

مقالات وآراء

ما بعد اللباس والخلع !

حجم الخط
د.ديمة طهبوب

يشترك الكثيرون في ظاهر العبادة ويختلفون في حقيقتها ومضمونها وما هذا بقليل؛ اذ إن أعمال القلوب هي المفتاح لقبول أعمال الأبدان، ومصداق ذلك حديث رسول الله صل الله عليه وسلم عندما أمر رجلا أن يعيد صلاته: «اذهب فصل فإنك لم تصل»، بالرغم من أنه أدى الحركات، ولكن قلبه لم يقم بإقامة معنى الحركات وما تنطوي عليه من اطمئنان وسكينة وخشوع، وبمثل هذا ينسحب الأمر على جميع العبادات بأن لها قلبا وقالبا وصلاح قلب المتعبد عند الاداء مقرون بقبول العبادة، وكما أن القلوب تختلف في بصيرتها وفهمها وإقبالها فكذلك تختلف العبادات، وكأن لكل إمرئ حظه المختلف من العبادات، ونسخته المتفردة التي سيحاسب عليها، فبلال مثلا تفاعل مع الوضوء والصلاة تفاعلا استثنائيا، فكان يصلي بكل وضوء ركعتين، فسن سنته الحسنة بركعتي الوضوء، وكذلك كان للسيدة عائشة رضي الله عنها عاداتها المميزة في الصدقة والعطاء، ولعمر نسخته المتفوقة في تطبيق العدل والعدالة ومدحه الرسول فقال: «ما رأيت عبقريا يفري فريه»، فهي ذات التكاليف تُفرض على جميع الناس فيتمايز السباقون والمحسنون والمتنافسون والمقنطرون، ويتمايز القبول، وعلى أثره تتمايز الأجور».

وباختلاف حظ البشر من الأخذ والغرف والنهل، والانتفاع من روح العبادة بحسن ادائها تختلف درجاتهم وحسابهم؛ فالمرء يحاسب على كيفيه أخذه بالتكاليف فردا، ان بقوة واحسان او ضعف وتفريط؟

وفي الوقت الذي نحب لمن نحبهم مزيد اقتراب من الله، وأخذا بالفرائض، مع عدم الحكم على اخلاقهم وقلوبهم ان لم يفعلوا او قصروا، إلا أن إعراضهم لا يجب ان يُذهب نفسنا حسرات، ولا يثنينا عن التذكرة كلما هبت رياح الفرصة، ولكن في المحصلة علينا بذات أنفسنا وذات اتباعنا وما هي القيمة الإضافية التي قدمناها بالتزامنا؟! فالمحجبة لن تُسأل عن القماشة التي وضعتها على رأسها فقط فهذا ظاهر العبادة كحركات الصلاة، وما وراء الظاهر قلب أدرك كنه الفريضة واقتنع بها فسارت صاحبته به مفتخرة وحملت رسالته بثقة، وأدت وظيفته في المجتمع بنجاح، وباختلاف نفوس البشر تختلف صور التطبيق فيكون، ان صح الفهم و التطبيق، لدينا صور جميلة ومتعددة عن معنى الحجاب ورسالته وانجازه، ويصبح التفوق جزءا من رسالة الحجاب، وتصبح الفعالية جزءا من رسالة الحجاب، وتصبح الرحمة والتعاون والمبادرة كلها من الأخلاق التغييرية التي تتكامل مع الحجاب.

فلحجاب الطبيبة رسالة، ولحجاب المعلمة اخرى، ولحجاب الشابة رسالة، ولحجاب الكبيرة اخرى، ولكل اضافته، وبصمته المتفردة في تعظيم الصورة وتنويعها وامتزاجها بمحاور الحياة.

إن من تتمثل هذه المهمة ينتظرها أدوار جلل ستشغلها عمن ارتدت او خلعت او اقتنعت او رفضت او بررت او سكتت، وهذا لا يعني نسيان دعوة الناس الى الخير، ومحبته لهم، ولكنها بالنهاية ستذكر أنها محاسبة عن حجابها هي، وما فعلت به، وكيف قامت بحق الفريضة فيه، وحق التمثيل، والتمثل بآدابه، وحق السفارة والدعوة بالأخلاق والموعظة الحسنة له.

انظري للحجاب وكأنه نزل لك دون غيرك، وخصك الله بالتشريف والتكليف دون غيرك فماذا ستكون اضافتك؟ ليس كل من لبست قد لبست، وقد يكون للمرء من عبادته كلها او نصفها او ثلثها او عشرها، وقد لا يكون له منها شيئا فترمى كخرقة بالية في وجهه!

لا ينفعك أيتها المرأة المسلمة من لبس الحجاب إن أنت خلعت، ولا يضرك من خلع إن أنت لبست، ولا ينقصك من فَرَّط إن أنت أخذت بقوة، ولا يزيدك من أخذ بقوة إن أنت فرطت.