الخميس 15 يناير 2026 الساعة 07:41 م

مقالات وآراء

علَّمني الخياط

حجم الخط
أيمن دلول

قبل نحو عقدين من الزمن، وبعدما اعتدتُ العمل خلال إجازتي الصيفية بعد عام من الدراسة، كان من ضمن المهن التي خضتُ غمار العمل فيها “الخياطة”، تدرجتُ في العمل، وخلال الأيام المائة التي قضيتها في رحاب تلك المهنة تعلمتُ الكثير، ولعل مثلاً حفظته من صاحب العمل لا يزال يعلقُ في ذاكرتي إلى يومنا هذا، بل إنه وحتى الآن كلما رآني ذكرني بتلك الكلمات.1

 

في أحد أيام عملي استعصت إحدى قطع القماش أمامي، ووجدت من الصعوبات الشيء الكثير تمنعني من إنجاز مهمتي، وحينما علم مسئول العمل بتلك المشكلة التي تقف عقبةً في سبيل إنجازي العمل، أمسك بقطعة القماش تلك، ابتسم قليلا، وأطلق كلماته التي لا أزال أحفظها: “اللي فيه عينين وراس بتعلم مثل الناس”، وعلى الفور أزال سبب الإشكال وسلمني قطعة الملابس مرةً أخرى بعد إصلاحها.

 

في الواقع العربي نحنُ تاهت بنا السُبل، فلا الخياطُ يفلح في حل مشاكلنا ولا حتى الخبراء وأصحاب الشهادات العليا والمتخصصين ينجحون بتطبيق نظرياتهم.

 

أكاد أزعم بأن نسبة الحاصلين على الشهادات العُليا والخبراء في وطننا العربي الجريح من النسب الكبيرة على الكرة الأرضية، وأنا متيقن بأن الخبرات والمبدعين الذين غادروا بلادنا نحو الغرب أكثر من حصرهم في مجلدات، لكنهم غادروا وباتوا “مغتربين” في تلك البلاد بعدما لفظتهم بلادهم فلم تجعلهم يمارسوا إبداعهم أو يستخرجوا الكنوز المختلفة من دواخلهم للنهضة في مواطن ميلادهم، فاتخذوا القرارات الصعبة، وغادروا صوب بلادٍ غريبةٍ يتجرعون فيها مرارة الغربة في كل ساعة، وإن كانوا وجدوا قيمتهم الفكرية فيها.

 

في أوطاننا نجد التافه يحكم في أمر العامة، ولأجل ذلك تاهت بنا سفينة الحياة، فأصبح الآلاف منا يحصلون على الشهادات الجامعية، لكن بلا فائدة أو عمل.

 

في أوطاننا لدينا كنوز عظيمة فوق الأرض وتحتها لكننا لا نمتلك سلطة التصرف فيها، فالأنهار تشق أراضينا الشاسعة وتربتنا جرداء قاحلة، ومدننا يخترق آلاف آبار النفط سطحها غير أن عرباتنا توقفت محركاتها عن العمل لغياب مشتقات البترول في عواصمنا المختلفة، وعلى شواطئنا آبار الغاز وحقوله تنتشر، لكن المواطن لا يجد غازاً لطهي طعامه أو شرابه، فأين المشكلة؟.

 

قبل فترةٍ بسيطة تناقشتُ مع أحد خبراء البصريات على مستوى الوطن العربي والعالم من غزة حول الواقع اليمني بصفته عاش هناك سنواتٍ طويلة، فأخبرني الكثير من المعلومات والبيانات، لكن الأهم في حديثه هي تلك المفاجأة التي تعرض لها في حياته حول الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فقد كان يدرس في ذات الفصل الذي يدرس فيه، وكان “نهفة” الفصل لكثرة استهزاء المعلمين والطلبة بغبائه وفشله في الدراسة، لكن “المفاجأة كانت لهذا المتخصص حين أصبح هذا الطالب الفاشل- علي صالح- زعيماً للبلد، في بلدٍ فيه الكثير من النخب والكفاءات”.

 

الكثير من العواصم يحكمها شخصيات مستنسخة من “علي عبد الله صالح” وفيها الأمر يعتمد على نظرية “إما أكون حاكماً لكم بكل مساوئي، أو سأقلب البلد دمار وخراب على رؤوسكم إن تنفستم دون إرادتي”.

 

لكن هذه النظرية لا يقتصر السبب في إلصاقها بالزعماء والرؤساء والقادة، بل إننا على صعيد الفرد ظالمون كثيراً لأنفسنا، فنحن نستفيضُ في الحديث عن إبداعات تلك الشعوب وتحررها من سطوة حكامها بتحقيق المنجزات الشخصية التي تراكمت مع بعضها ونهضت بالعباد والبلاد بدلاً من انتظار وظيفة دنيئة قد يمنحنا إياها الحاكم لا يكفي راتبها نهاية الشهر لشراء الخبز دون الطعام.

 

في قاموسنا الكثير من الإشادة بنهضة اليابان وتعافيها من “هيروشيما” و “ناجازاكي”، وضمن ثقافتنا حديث فخرٍ عن تقدم تركيا، ومنافسة ماليزيا، وغيرها الكثير، لكن في وجداننا آهات كبيرة عن واقعنا العربي.

 

بلادنا فيها الكثيرُ من الخيرات والثروات الطبيعية والبشرية، لكنها بحاجة لمن ينفض الغشاوة من أمام نظره، ليرى في الأفق لمعان ذهب بحاجة لمن يمسحه فيزيد توهجه، ليكون بذلك قد عمل بنصيحة صديقي “الخياط” بدلاً من انتظار حلولٍ من حكام وزعماء فشلة إنما اجتاحوا بلادنا في لحظة غفلة أو تعفف عن تقلد القيادة من قبل الخبراء والعلماء في أوطاننا، فهل نعمل بنصيحة الخياط؟ أم أن الحل سيكون أمامنا في غربةٍ نعمل بحرق إبداعنا فيها دون بلادنا.