لستُ أدري ما الذي دفعني بينما كنتُ أحتسي فنجان قهوتي المسائية
لتقليب صفحات التاريخ، ولم أدرِ ما الذي دعاني لأقلب صفحات التاريخ بحثاً عن قصة تلك
المرأة التي صاحت، بينما تحرش بها أحد الروم داخل “عمورية” وامعتصماه.
تقول الروايات إن امرأة مسلمة محتشمةً كانت تقضي حاجة لها في
سوق “عمورية” التي يسيطر عليها الروم، فتحرش بها رجل رومي محاولاً كشف عورتها، بينما
كان على جانب السوق رجلٌ مسلم التقط كلمةً من تلك المرأة حينما صاحت قائلة: “وامعتصماه”
ومضى يقطع الطرق والسُبل “حيث لم تنتشر وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الفترة من التاريخ”،
حتى وصل للمعتصم خليفة المسلمين آنذاك، فأبلغه بالخبر وقص له القصة.1
لم ينتظر الخليفة وقتاً لإجراء مشاورات عربية لعقد قمة عاجلة
للجامعة العربية، ولم يستنكر الحدث، إنما قام بالفعل وسبقه برسالة لأمير عمورية قائلا
له فيها: “من أمير المؤمنين إلى كلب الروم أخرج المرأة من السجن وإلا أتيتك بجيش بدايته
عندك ونهايته عندي”.
تتحدث كتب التاريخ أن القائد الرومي لم يرضخ لهذا التهديد، ففوجئ
بجيش للمسلمين يقوده المعتصم رجح المؤرخون أن أعداده فاقت المائة ألف مقاتل، ففتح تلك
القلعة الحصينة وحرر تلك المرأة المسلمة. حتى هنا فقد انتهت تلك القصة، أما قصص نساء
وشباب العرب هذه الأيام فيبدو أن فصولها ومشاهدها سيطول أمدها حتى يخرج معتصم هذا الزمان
ليسمع تلك الاستغاثات فيحرك الجيوش لوقفها. ويتحرك لتحرير بلادنا حينما يسمع استغاثات
أهلها وأنينهم تحت وقع الصواريخ الروسية والقذائف الأمريكية..
في “عمورية” بعدما دخلها المعتصم بحث عن تلك المرأة، فلما حضرت
قال لها: “هل أجابك المعتصم”، قالت نعم.
توقفتُ عند هذه المحطة وأنا أتخيل المشهد العربي الذي نعيشه
هذه الأيام. ارتشفتُ قليلاً من قهوتي، وذهبتُ بعقلي لمسافات بعيدة طرقت من خلالها أبواب
حكام بلادنا في هذه الأيام، وعلى الفور انطلقت التساؤلات، بل الهتافات من جانبي على
أبواب أولئك الحكام:
ألم يصلكم نبأ الحرب الطاحنة في العراق؟ ألا ترون مشاهد الدمار
في ليبيا؟ أما تزالون مختلفين على ما يجري في اليمن؟ وما هي ردة فعلكم لما يجري في
الشعب السوري من قتل وتشريد، وربما استجابة للمبشرين بعدما لم يجدوا إلا بلادهم التي
تستقبلهم؟ النساء التي تُضرب في باحات المسجد الأقصى صباحاً وفي المساء على أيدي المحتلين
الإسرائيليين والمستوطنين، هل وصلكم صوتهن؟ أطفال غزة الذين يموتون جوعاً وحصاراً هل
يشكلون شيئاً في تفكيركم؟ أنين المعتقلين في سجون بلادنا هل تعلمون عنها شيئا؟.
ما الذي يجري لكم أنا أنادي بأعلى صوتي، ألا يوجد أحدٌ في هذه
القصور المهيبة؟ أليس فيها حُكام من العرب والمسلمين من أحفاد النبي محمد “صلى الله
عليه وسلم” وصحابته الكرام؟.
توقفتُ قليلاً عن الهتاف، وبدأت التفكير خارج الصندوق: ما دام
الحكام والزعماء في بلادنا لا ينصرون المظلوم، أو يُغيثون الملهوف، فربما تكون المشكلة
فينا نحن!! وهل هذا معقول؟ ربما، فكل شيء في هذا الزمان الذي تبدلت فيه القيم بات معقولاً..
هل ينظر لنا أولئك القادة بأننا من العرب أم لهم رأي آخر؟ هل لديهم شكوك بأن دمائنا
ليست عربية؟.
إني أقسمُ لكم أيها الزعماء أن دمائنا عربية، ونسلنا يعود إلى
أبو بكر الصديق والفاروق بن الخطاب وعثمان وعلي، بل ومنا من يعود أصله لصلاح الدين
الأيوبي وأسامة بن زيد وغيرهم، فماذا أنتم فاعلون؟.


