مع صباح يوم الجمعة الثاني
والعشرين من أغسطس عام 2014م، تواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وصدع رؤوسنا
استمرار تحليق الطائرات الحربية بدون طيار والتي لم تكن تغادر أجواء القطاع لدقيقة
واحدة.
لكن وعلى الرغم من هذا الضجيج
الذي كانت تُحدثه طائرات الاحتلال والانفجارات التي تحدثها صواريخه لدى انفجارها بين
الفينة والأخرى، إلا أننا قررنا الراحة بعد صلاة الفجر مباشرة في ذلك، نام العديد من
زملائي في خيمة بات لهم بكل زاوية منها حكاية وقصة، أما أنا فاستيقظت بعد نومي بوقت
قصير على تنبيه هاتفي النقال.1
المتصل على الجانب الآخر،
أخبرني بأن هناك إحدى عشر جثةً ملقاة بجوار جامعة الأزهر غرب مدينة غزة، لعملاء متعاونين
مع الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء شعبهم، حاولتُ معرفة مزيد التفاصيل منه لكنه أغلق
هاتفه دون إعطائي مزيد من التفاصيل، بعد أن طلب مني البقاء في مكاني.
دقائق فقط فصلتني عن هذا الاتصال،
حتى وصل أحد الأشخاص بزي مدني يسأل عني وعرف نفسه بأنه أحد ضباط الأمن الداخلي، وهمس
في أذني بأن هؤلاء عملاء قامت المقاومة الفلسطينية بتصفيتهم ليكونوا عبرةً لكن من يسلك
هذا الطريق، بل إنه أبلغني بأن تصفيات أخرى ستحدث خلال هذا اليوم بعد صلاة الجمعة أمام
المسجد العمري في مدينة غزة.
خلال هذه الفترة أخذت الأمور
تتجه نحو الهدوء أكثر من الأيام الماضية، وهي فترة دفعتنا لأن نبدأ برسم بعض الأمنيات
في عقولنا من قبيل أن يُذيق المولى تبارك وتعالى بعضا مما أذاقه الاحتلال الإسرائيلي
لأبناء شعبنا، وأن تتحرك النخوة العربية، خاصة النظام العربي الرسمي وإن كان في وقت
متأخر لوقف هذا العدوان، والكثير الكثير من الأمنيات التي أخذت ترتسم في عقولنا رغم
غياب بوادر تحقق لها على أرض الواقع.
وفي اليوم الرابع والعشرين
من أغسطس خيم الهدوء خلال ساعات الليل، لكن سرعان من انفلتت قوات الاحتلال الإسرائيلي
من عقالها خلال ساعات النهار وبدأت عمليات تصعيد جديدة بدأتها مع ساعات الصباح، وتواصلت
على مدار نهار ذلك اليوم.
وبدأت تفاصيل الحكاية بعد
عودتي من صلاة الفجر في ذلك اليوم داخل مسجد مجاور لمستشفى الشفاء بغزة، فقد عدتُ لمكان
استقرارنا لنتفاجأ بسيارات إسعاف تُحضر العديد من المصابين والشهداء قضوا في استهداف
لمجموعة من المواطنين في مدينة غزة بعد خروجهم من صلاة الفجر.
وخلال نهار هذا اليوم الذي
شهد تصعيداً كبيراً من قبل الاحتلال اشتدت وتيرته مع قرب ساعات النهار على الانتهاء،
فقد توالت أعداد الشهداء والمصابين في الارتفاع دون أن يكن قد لاح في الأفق بوادر حقيقية
لإجبار الاحتلال الإسرائيلي على وقف جرائمه بحق المدنيين، لكن وللحق فقد وجدت قوات
الاحتلال متسعاً كبيراً لاستمرار جرائمها مع استمرار الصمت المطبق من قبل الأنظمة العربية.
ومع ساعات ما بعد عصر ذلك
اليوم، لم أنسَ مشهد الطفلة زينة صاحبة العام ونصف العام والتي وصلت إلى المستشفى بلا
رأس وتم جلبه فيما بعد، بعد تناثره على أرجوحتها في ساحة بيتها حين استهدفت محيطهم
طائرات الإف ستة عشر في حي الشيخ رضوان غرب غزة، لقد كان مشهداً مروعاً بصدق، فلا أرجوحة
آمنة والألعاب ممنوعة حتى على الأطفال.
بعد ساعات من التغطية خلال
هذا اليوم جلست ألتقط أنفاسي لدقائق معدودة، تفاجأت برجل يراقبُ حركاتي من بعيد، حاولتُ
عدم إظهار رؤيتي له، لكنه اقترب مني وفاجأني بقوله: أنا فخورٌ بك يا أيمن. الحمد لله
لم يضيع جهدنا وأثمر شخصاً مثلك!!.
دققت في الرجل وقد تغيرت ملامحه
بعد إعفائه لحيته، إنه أستاذي في المرحلة الثانوية، درسني مادة التاريخ التي ناقشت
الحضارة الفرعونية في مصر، وكنت كثيرا أتجادل معه حول دراسة ذلك التاريخ القديم في
العصور الفرعونية وجدوى دراستنا له.
وفي مساء ذلك اليوم، بدأت
تتسلل بعض المعلومات بأن ثمة حوارات جادة لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة والموافقة
من قبل قيادة الاحتلال على شروط المقاومة الفلسطينية، وهي معلومات وصلتني لكن تم الطلب
مني عدم الحديث عنها حتى نضوجها بالكامل، خشية اطمئنان المواطنين ورجال المقاومة لأي
أخبار قد ننشرها والبدء بتحركهم، وبالتالي تعرضهم لنيران وغدر الاحتلال.
غير أني وجدت في هذه المعلومات
أن تخرج إلى الجمهور ولو بشكل مختلف، فلجأت إلى صفحتي على الفيس بوك وكتبتُ عليها بعض
الكلمات دون إبداء الكثير من التفاصيل، وأذكر بأن ما قلته في ذلك المنشور هو “أقسمت
في الماضي ولا أزال أن الله الجبار المنتقم يرفض السكوت على ظلم عباده المؤمنين.. ومرة
أخرى أقسم بالذي رفع السماء بلا عمد أن نصر أهلنا الأحباب في قطاع غزة أقرب مما تتصورون
ولكنكم تستعجلون. وستذكرون ما أقول لكن وأفوض أمري إلى الله.. أسأل الله أن أزف لكم
بشرى الانتصار واندحار عدونا الغاشم عما قريب..”.
بعد أداء صلاة المغرب في ذلك
اليوم، وبينما بدأتُ في تلقي استفسارات المواطنين عن فحوى منشوري السابق على صفحة
“الفيس بوك”، وهي استفسارات لم أكن أستطيع إعطاء مزيد معلومات عنها لحرصي على تداعيات
تلك المعلومات، غير أني كنتُ أحاول بث الأمل والاطمئنان للسائلين بأن النصر على الأبواب
بإذن الله تعالى.
في ذلك الوقت أذكر أنه وصلني
رسالة مكتوبة من زملائي في إذاعة صوت الأقصى- وقد كنتُ لا أعرف مكانها الجديد بعد قصفها
حتى ذلك الوقت- ويطلبون مني في الرسالة توفير بعض الطعام والماء لهم في ذلك الوقت.
أنا أدرك بأن الحركة خلال ساعات الليل خطيرة وصعبة للغاية، لكنني خرجتُ من مستشفى الشفاء
وبدأت رحلة بحث عن بعض الطعام فيما تبقى من مطاعم مفتوحة خلال ساعات المساء.
لقد وجدتُ مرادي وتوجهت للعنوان
المكتوب في الورقة التي وصلتني من أحد المواطنين، وكانت المفاجأة لدى رؤيتي لزملائي
يجلسون في الشارع وأسفل شجرة ومن ذلك المكان يرسلون رسائلهم للناس والمواطنين، لقد
كان المنظر مؤلم للغاية وهم يجلسون على الأرض في مكان غير لائق للجلوس وليس للعمل الإعلامي.
أخذتُ زملائي بالأحضان وذكرتهم بأجر ما يقومون به ومن ثم انطلقت في رحلة عودة أخرى
لمكاني في خيمة الصحفيين.
