فجأة
ودون سابق انذار، ذرفت بعض النخب التي تساند الأطراف التي تمارس الحصار على غزة
دموع التماسيح على غزة وأهلها؛ لأن اتفاق المصالحة بين «إسرائيل» وتركيا لم يسفر
عن رفع الحصار عن القطاع. وراحت هذه النخب تتهم الرئيس التركي طيب رجب أردوغان
بالتنازل والتراجع عن تعهداته السابقة بشأن رفع الحصار.
صحيح
أن الاتفاق الإسرائيلي لم يفض إلى رفع الحصار كما يحلم الفلسطينيون، وصحيح أن كل
ومسلم وعربي لا يرضى أن تطبع أية دولة عربية أو إسلامية علاقاتها مع هذا الكيان.
لكن
الذين ينتقدون حكومة أنقرة تجاهلوا حقيقة واحدة، وهي أنه ليست تركيا هي التي تفرض
الحصار على غزة، بل الكيان الصهيوني ونظام السيسي وبتواطؤ السلطة الفلسطينية
وعربية أخرى. وبالتالي، فإن كلاً من الصهاينة ونظام السيسي يتحملان بشكل رئيس
المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية عن تواصل هذا الحصار.
المفارقة،
أن النخب التي أخذت تهاجم تركيا لأنها لم تتمكن من الوفاء بتعهداتها بشأن رفع
الحصار ليس فقط ظلت صامتة إزاء دور نظام السيسي والسلطة الفلسطينية في حصار غزة،
بل إنها ظلت طوال الوقت تكيل المديح لكل من السيسي وعباس.
شتان
بين من يحاول رفع الحصار عن غزة وبين من يتقرب للصهاينة بتشديد الحصار عليها، حيث
إنه يحسب للأول محاولاته، في حين يحسب على الثاني تواطؤه وخذلانه للشعب الفلسطيني.
ولا حاجة للتذكير بتقرير مكتب منسق الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية قبل عام
ونصف الذي حمل إلى جانب «إسرائيل» كلاً من مصر والسلطة الفلسطينية المسؤولية عن
تواصل الحصار على غزة.
ونحن،
إن كنا لا نرى أن الرهان التركي على إصلاح العلاقة مع تل أبيب في مكانه، إلا أنه
في المقابل يجب الاعتراف بأن تركيا قوة إقليمية ذات مصالح كبيرة ومتشابكة، وتتعرض
لحصار روسي أمريكي أوروبي إيراني، وتقع تحت وطأة هجمة إرهابية غير مسبوقة. وحسب
التقديرات التركية فإن استعادة العلاقات مع تل أبيب ستساعدها على المناورة في
الساحتين الإقليمية والدولية، وتمكنها من العثور على بديل لمصادر الطاقة.
في
الوقت ذاته، فإن تركيا حرصت طوال التفاوض مع الصهاينة على طرح قضية رفع الحصار على
جدول الأعمال، حيث تمكنت من تحقيق إنجازات مهمة، ويمكن أن تغير الواقع الاقتصادي
في القطاع بشكل جدي حتى وإن لم تفض إلى رفع الحصار بالكامل.
فقد
انتزعت تركيا من «إسرائيل» موافقة على بناء محطة توليد كهرباء ومحطة تحلية مياه،
وبناء مستشفى جامعي كبير في غزة، إلى جانب تقديم صنوف كبيرة من الدعم. وهذا يشكل
إنجازاً كبيراً، مع العلم أن تكلفة هذه المشاريع تتكبدها الخزانة التركية.
وفي
الوقت ذاته، فإن المعارضة الواسعة التي قوبل بها الاتفاق من قبل نخب اليمين في تل
أبيب يكشف حالة انعدام اليقين التي تسود الكثير من الدوائر الصهيونية بشأن
الاتفاق. ففي مقابل الفرص التي تراهن عليها في الاتفاق، فإن هناك بعض المخاطر التي
تخشى تل أبيب أن تواجهها في أعقاب التوقيع على الاتفاق.
وعلى
رأس «المخاطر» الخوف من أن يفضي الاتفاق مع تركيا إلى المس بعلاقات تل أبيب
الإستراتيجية مع كل من روسيا واليونان. فقد نقلت الحكومة اليونانية خلال الأسبوع
الماضي عدة رسائل تعبر فيها عن «قلقها» من تبعات الاتفاق مع أنقرة على العلاقات
الثنائية بين تل أبيب وأثينا. ولفتت اليونان أنظار «إسرائيل» في إحدى الرسائل أنه
لا يمكن الوثوق بتركيا، وأن تل أبيب بإمكانها الاعتماد فقط على أثينا. ويذكر أن
كلاً من «إسرائيل» وقبرص واليونان قد أعلنت العام الماضي عن تدشين تحالف ثلاثي
بينها.
إلى
جانب ذلك، فإن «إسرائيل» لا تثق بحقيقة نوايا الرئيس أردوغان. ويقول معلق الشؤون
الاستخبارية يوسي ميلمان إن الكثيرين في تل أبيب، وضمنهم قيادات أمنية وسياسية،
يرون أن من يدير مقاليد الأمور في أنقرة هو نظام حكم إسلامي متشدد اضطر للتصالح مع
«إسرائيل» بسبب اعتبارات إقليمية طارئة، وأن أردوغان يمكن أن يعود للتصعيد في
المستقبل.
وهناك في «إسرائيل» من يرى أن الاتفاق يعزز
مكانة المقاومة الفلسطينية السياسية والدولية. ويشير إفرايم هليفي، الرئيس الأسبق
لجهاز الموساد أن حرص أردوغان على لقاء مشعل بعد التوصل للاتفاق يدلل على اضفاء
الشرعية على علاقة أنقرة بحماس، إلى جانب أن «إسرائيل» قبلت بتواجد ممثلين عن حماس
في الأراضي التركية.


