السبت 10 يناير 2026 الساعة 02:59 م

مقالات وآراء

ابتسامةٌ وصمت «15/26»

حجم الخط
أيمن دلول

دخل العدوان على غزة فعلياً يوم الأربعاء الثالث والعشرين من يوليو، باستهدافات تواصلت على مدار تلك الليلة، وكالعادة كانت غالبية عمليات القصف التي تحدث لبيوت مواطنين مدنين، وتركزت عمليات الاستهداف لمناطق شرق خانيونس في خزاعة وعبسان الجديدة وعبسان الشرقية، وهي استهدافات جعلت مواطني تلك البيوت يمكثون في بيوتهم وتسليم أرواحهم لله، وإن قدرَّ لهم الله الحياة فسوف يحصلون عليها.

 

مكث المواطنون في بيوتهم بعدما أدركوا بأن خيار البقاء هو أحلى المُر، فالهروب من البيت يعني تعامل طائرات الاحتلال الإسرائيلي مع الهاربين معاملة المطلوبين والتركيز عليهم بشكل مباشر. كنا نتلقى استغاثات وصرخات المواطنين الذين يتعرضون للقصف ونقوم بتحويل هذه الاستغاثات إلى المنظمات الحقوقية والدولية، ولكن تلك المؤسسات لم تسمح لها “إسرائيل” بالتوجه لانتشال الشهداء أو المصابين  في ضربة لكل قوانين حقوق الإنسان التي لم تجد من يُدافع عنها، أو يقوم بتطبيقها على مختلف الأطراف.1

 

بزغ فجر الصباح، وأرسلت الشمس شعاعها الأحمر مُنطلقاً من المناطق الشرقية لقطاع غزة، وما هي إلا ساعات حتى سمحت “إسرائيل” للطواقم الطبية للمرة الأولى منذ بدء العدوان بانتشال جثامين بعض الشهداء، وبالفعل وصلت العديد من جثامين الشهداء للمستشفيات من عدد من المناطق كان أبرزها حي الشجاعية في مدينة غزة، وقد وصلت الجثامين متحللة بالكامل، في مشهد أدخل الألم على كل من شاهده، وقد قابلت أحد ضباط الإسعاف الذين قاموا بانتشال العديد من الجثامين، فلم يتمالك نفسه وهو يبكي كبكاء النساء، حاولتُ التخفيف عنه، لكنه أخذ يزرف دموعه وهو يتكلم بكلماتٍ أوضحت أسباب بكائه: لماذا يحدث ما يحدث؟ هل نحن حيوانات لنموت بهذا الشكل ونتحلل ولا نجد من يحفظ كرامتنا حتى ونحن أموات؟ أين حقوق الإنسان؟ يا سيدي أين حقوق الحيوان؟.

 

بعد الانتهاء من تغطية خبر انتشال جثامين الشهداء، أخبرتني إدارة المؤسسة التي أعمل بها بضرورة التوجه لأحد الأماكن لتبديل ملابسي وغسل جسمي، فقد بدأت أشعر بالقذارة من نفسي لعدم الاستحمام طوال تلك الفترة، وعملية إخباري بهذا الأمر كانت عبر رسالةٍ مكتوبة تم ايصالها لي وفيها تفاصيل إجراءات السلامة التي سأقوم بها خلال رحلة السير لاغتسالي والعودة.

 

وبناءً على التوجيهات التي وصلتني فقد أغلقت كافة هواتفي ونزعت البطاريات منها بالكامل، وانتظرت بعض الوقت قبل البدء بالحركة سيراً على الأقدام، وكانت رحلتي قبل أذان الظهر بقليل والنقطة التي من المفترض وصولي إليها كانت هي شقة سكنية لدى صديق في برج الإيطالي أقصى شمال حي النصر بمدينة غزة. توجهت للسوق لشراء بعض الملابس التي سأبدل بها ملابسي فأنا لا أستطيع إحضار ملابس من منزلي الذي تركته عائلتي نتيجة المخاطر المحيطة به بشكل كبير.

 

وبعد وصولي إلى السوق تفاجأتُ بحركة الناس في الشوارع رغم القصف والدمار والمخاطر على حركتهم، وأذكر بأنني اشتريت مجموعة من الملابس التي وجدتها في أحد المحال التجارية ومضيت إلى المكان، طرقت بثلاث نقرات على باب الشقة التي كان من المفترض تبديل ملابسي فيها، ففتح الباب أحد زملائي في العمل، صافحته وطلبت الإذن منه لدخول الحمام لنيل البعض من النظافة البدنية التي غابت عني منذ بداية العدوان على غزة.

 

دخلت الحمام ولم أجد ماءً ساخناً نتيجة انقطاع الكهرباء عن تلك المنطقة، نزعتُ ملابسي وبقيت لدقائق أنظر لجسمي الذي اتسخ بشكل لم يحدث معي بهذا الشكل في وقت سابق، وبدون مقدمات أرغمت نفسي على المكوث أسفل الماء البارد الذي وجدتُ أنه يهون على استمرار اتساخ جسمي، لقد كان لاغتسالي في ذلك اليوم لا أبالغ إن قلتُ بأنه جعلني أستعيد الشعور بإنسانيتي.

 

وبعد اغتسالي جلستُ وتبادلتُ أطراف الحديث مع زميلي حول الأوضاع المختلفة، واتفقنا على صلاة الظهر قبل مغادرتي المكان، وبالفعل وقفنا على سجادة الصلاة، لكن وقبل الشروع بالصلاة دوى صوت صاروخ شعرنا بأنه في محيطنا، وعلى الفور تركنا سجادة الصلاة وهربنا لنهاية الغرفة قبل أن نتبين بأن الصاروخ هو لمقاومتنا الباسلة خرج من جوارنا، فقلت له: أنا وأنت مجانين لماذا نهرب إلى نهاية الشقة بينما كان يجب أن يكون هروبنا نحو باب الشقة؟ وبدأنا نضحك مع بعضنا البعض.

 

صلينا الظهر وودعت زميلي وخرجت في طريق عودتي لمكان عملي، وما إن وصلتُ نهاية الشارع حتى استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي النقطة التي انطلق منها الصاروخ السابق، ومع الاستهداف تمالكتُ نفسي رغم الخشية من الاستهداف، فأيُّ توترٍ لأي شخص في الشارع وأي هروب قد يجعله في دائرة الاستهداف، وقد اكتفيت بالهدوء وسط ترديد الشهادتين “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”، مضيت أستحث الخطى، وما إن وصلتُ إلى مكان مكوثي المقرر حتى هاتفت مسئولي في العمل واطمأن على سلامتي وهنأني بذلك قبل استئناف عملي.

 

ساد بعض الهدوء مع ساعات عصر ذلك اليوم فقررت اقتناص الفرصة والاطمئنان على أهلي، أمسكت بهاتفي وطلبتُ والدتي، وما إن سَمِعَت صوتي حتى انهمرت بالبكاء وطلبت مني عدم العودة للبيت إلا بعد التهدئة أو توقف العدوان على غزة، عاتبتها بسبب عودتها ووالدي للبيت وقد أخرجتهم منه في وقت سابق لمكان آخر، فقالت لي: نموت في بيوتنا أشرف لنا، ولكن دير بالك على حالك أنت وأبنائك، وطمنا عنهم، وبالفعل طمأنتها وأخبرتها بأنهم بخير، وقد فصلت في وقت سابق أبنائي عن والدي ووالدتي وأجلست كل واحدٍ منهم في مكان بعيد عن الآخر، زيادة في الحرص والسلامة من صواريخ الاحتلال التي باتت تحصد عائلات بأكملها عن الوجود.

 

ومع ساعات المساء أدركت بأنَّ الشعب الفلسطيني متعطش للحرية والكرامة، وقد وجد ضالته في خيار المقاومة الفلسطينية التي أدرك بأن تجهيزها ومواجهتها للاحتلال بهذا الشكل الذكي زرع أملاً في عقله بإمكانية تحقيق النصر والعيش بآدمية على أرض فلسطين فقدها المواطن البسيط في ظل وجود الاحتلال، ولعل إدراكي لهذه الحقائق هو لأعداد المواطنين الهائلة التي تحلقت حول شاشات التلفزة المنتشرة في باحات مجمع الشفاء الطبي حيث كانت تنقل خطاب للسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، وكان يتحدث عن مطالب الشعب والمقاومة الفلسطينية لإنجاز تهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

وبعد الخطاب مباشرة استأنفت طائرات ومدفعية الاحتلال استهدافها لمناطق مختلفة من قطاع غزة وتركزت على ساحل البحر والمناطق الشرقية من القطاع، إلى جانب استهداف العديد من المنازل، لكن الحدث الأبرز كان خلال هذه الليلة استهداف مدرسة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في بيت حانون، وقد كانت المدرسة ملجأً لفلسطينيين نزحوا من منازلهم تحت وطأة قذائف وصواريخ الاحتلال.

 

استهداف المدرسة الذي أدى إلى استشهاد ستة عشر مواطناً وجرح أكثر من 200 آخرين، زاد التأكيد بأن “إسرائيل” لا يوجد أمامها أي خطوط حمراء أو منشآت محظور استهدافها، ومما أكد على معرفة طائرات الاحتلال لمكان المدرسة والجهة التي تتبع لها هو تأكيد المتحدث باسم “الأونروا” كريس غانيس أن المنظمة أعطت إحداثيات المدرسة مسبقًا لجيش الاحتلال الإسرائيلي كتدبير وقائي لمنع الإغارة عليها، بل إن المتحدث كشف أنهم قدموا طلباً لجيش الاحتلال لفتح نافذة للمدنيين لمغادرة المدرسة، لكن الطلب لم يوافق عليه.

 

وفي غمرة تغطية ومتابعة هذه الجريمة، تلقيتُ اتصالاً من أحد المواطنين وقد اشتكى من عدم تغطية الأحداث التي تجري في منطقته، وحاولت التبرير له عن سبب ذلك كون الأحداث متلاحقة ومتسارعة وأكبر من طاقة أي إعلامي على تغطيتها بالكامل لكثرتها، غير أن المتصل أقنعني برؤيته حينما أخبرني أنهم يشعرون بالاطمئنان والأمان وهم يستمعون لنا ويعرفون الذي يدور من حولهم.

 

اتصال آخر وردني خلال هذه الليلة، لكنه كان من امرأة أبلغتني باستهداف منزل في حي الزيتون وهدمه على رؤوس أربعة من المقاومين كانوا في داخله، وقد شعرت حينها أن أحد أقاربها في البيت وهي تستغيث بضرورة نجدتهم وإخراجهم من تحت الردم.

 

خرجت برسالة على الهواء مباشرة أطالب من خلالها سيارات الإسعاف بضرورة التوجه إلى عنوان البيت الذي تأكدتُ من مصدر آخر بأنه تم هدمه على رؤوس ساكنيه ولم أقل بأنهم من رجال المقاومة خشية إعادة استهداف المكان مرة أخرى من قبل قوات الاحتلال.

 

وبعد الخروج برسالتي لم أكتفِ بذلك، بل قمت بالاتصال على سيارات الإسعاف لنجدة المصابين، فقد أردت المساهمة الفعلية في الحفاظ على أبناء شعبي ومقاوميه الأبطال شرف الأمة، وما هي إلا دقائق حتى وصل المجاهدون الأبطال مصابين إلى المستشفى بحالة متوسطة، حينها انتابني شعور كبير بالسعادة والسرور وأني كنت أحد أدوات نجدتهم وسلامتهم، وأيقنت حينها أن من أراد الله له العيش فسوف يعيش وإن أطلق الاحتلال الاسرائيلي عليه آلاف القذائف والصواريخ.

 

ومع بزوغ شمس النهار انتابني شعور كبير بالألم والمعاناة بعد وصول جثامين ثلاثة من أصدقائي وكانوا قد استشهدوا قبل أربعة أيام في حي الزيتون ولم أتمكن من نجدة بعضهم على مدار يومين وكانوا لا يزالون على قيد الحياة، ومن بين هؤلاء الشهداء شاب أعرفه عن قرب وهو وحيدٌ لوالدته، وخطب قبل عدة شهور، سعياً لإدخال السعادة إلى فؤاد والدته بزواجه بعد سنوات على ألمها وصبرها باستشهاد والده.

 

حلقت فوقنا بينما كنا داخل مستشفى الشفاء بغزة ثلاثة من الطائرات الحربية بدون طيار بشكل أخافنا، فقد كان تحليقها قبل موعد الإفطار بدقائق معدودة فقط، انتابنا القلق فقررنا الافتراق عن بعضنا خشية استهدافنا ونحن على مائدة الإفطار. تفرقنا وتناول كل واحد منا إفطاره وحيداً ولم نتمتع بجمعتنا على مائدة واحدة خلال شهر واحد يوحد المسلمين على موائده.

 

وبعد تناول طعام إفطار ذلك اليوم الأليم، وخلال ساعات الليل دوى في محيطنا صوت سيارات الإسعاف، قبضني قلبي حينها وتوجهت إلى المكان لأجد شخصا وقد استشهد حرقا وآخر وصل بحروق شديدة لم أعرفه منها، أشفقت عليه ووقع بصري على عينيه حينما قمتُ بإدخاله لقسم الاستقبال في المستشفى بصحبة مُسعف آخر.

 

ابتسم ذلك المصاب قليلا ودقق نظره في وجهي، وخاطبني قائلا: “أنا عبيدة..” ولما سمعت صوته كان وقعه على نفسي شديداً، فهو من أكثر خمسة أشخاص قربا ًإلى فؤادي. وعلى عجل أدخله الأطباء إلى غرفة أغلقوا أبوابها جيدا وأمضوا فيها نصف ساعة كانت على نفسي كالدهر في طولها أو أكثر، ولما خرجوا لم يتكلم “عبيدة” بكلمة واحدة واكتفى بالنظر دون أن أعرف هل هو على قيد الحياة أم فارقها، سألت الطبيب فأخبرني أنه أصيب بحروق كاملة وقال لي: “اسألوا الله له الشفاء”، حينها بدأت الدموع تنهمر من عيوني بدون توقف، واستمرت على هذه الحال لساعات طويلة..