دخلت ساعات ليلة الاثنين الحادي والعشرين من مايو 2014م، وهي ليلة كانت هادئة مقارنة بما سبقها من ليالٍ أخرى، وحاولتُ خلال ساعات الليل قيام الليل واستغلال بعض أوقات شهر رمضان الفضيل بالدعاء وقراءة القرآن. أمسكت بنسخة من القرآن الكريم وبدأت بالتلاوة بينما كنتُ أجلس على الأرض مباشرة حينما لم أجد مقعداً أجلس عليه في ذلك الوقت داخل مستشفى الشفاء بغزة، ولست أدري لماذا غمرتني الدموع بعد دقائق معدودة من القراءة.
ساعات النهار حتى ساعات ما قبل أذان عصر ذلك اليوم لم تختلف كثيراً عن ساعات الليل، لكن وفي غمرة الاستعداد لتناول طعام الإفطار في ذلك اليوم، وبينما كان أهالي قطاع غزة يجهزون طعام الإفطار دوت العديد من الانفجارات في محيط مفترق الطيران في غزة، وما هي إلا لحظات حتى انقلبت الأمور رأساً على عقب وغابت حالة الهدوء التي سيطرت لبعض الساعات على عمل الطواقم الإعلامية.1
توجهت إلى قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء بغزة لاستقبال المصابين والشهداء والخروج برسائل إعلامية حول حصيلة جريمة إسرائيلية جديدة، وما هي إلا لحظات حتى وصلت أشلاء وجثامين محترقة وكانت كلها لأطفال ونساء تم استهدافهم، وفي تفاصيل ما جرى فقد فضلت إحدى النساء التي تقطن في حي الزيتون “حيث الشعور بالخطر الشديد” كونه في منطقة متاخمة للحدود مع الاحتلال الإسرائيلي، فضلت تلك المرأة التوجه للمكوث بصحبة شقيقتها في منطقة تعتقد أنها آمنة كون شقيقتها تسكن في منطقة راقية من غزة “حي الرمال”، وبينما كانت الشقيقتان تُجهزان طعام الإفطار لذلك اليوم ويلهو الأطفال على سطح ذلك المنزل حتى باغتتهم طائرات الاحتلال وقطعت أجسامهم قبل أن تتناول إفطارها في ذلك اليوم.
انتهينا من تغطية تلك الجريمة في ذلك اليوم، وكنا نعتقد أنها الأخيرة لكن طائرات “إسرائيل” كان لها كلمة أخرى، غسلنا أيدينا وجلسنا على مائدة الإفطار وانتظرنا سماع صوت الآذان، وانطلق مؤذن المسجد القريب من مستشفى الشفاء معلنا “الله أكبر.. الله أكبر”، تناولت حينها تمرة أولى “كانت إفطاري وسحوري ذلك اليوم”، وقبل أن أبتلع طعامي في ذلك اليوم حتى دوت سلسلة انفجارات قريبة منا وما هي إلا لحظات حتى عرفنا أنه تم استهدف عمارة سكنية وسط غزة “عمارة السلام”.
تركنا موائد الإفطار وبدأ فصل جديد من فصول التغطية الإعلامية، وسادت حالةٌ من الإرباك على الطواقم الطبية التي استنفرت للعمل من جديد ولم تمنحها قوات الاحتلال الإسرائيلي دقائق معدودة لتناول طعام الإفطار.
وصلت سيارات الإسعاف لمستشفى الشفاء، بعضها يحمل الأشلاء والآخر انتشل جثامين أطفال لم تمهلهم صواريخ الاحتلال الإسرائيلي دقائق معدودة لتناول طعام إفطارهم بعدما صاموا يومهم كـ” صوم العصافير”، لم أتمالك نفسي إذ تخيلت أبنائي أمامي، وبدأت دموعي تنهمر بحرارة، لكن كان ممنوعا علي الحديث للمواطنين عبر الإذاعة التي أعمل بها لإخبارهم ماذا حدث وأنا بهذه الحالة، فقد كانت المشاهد التي رأيتها في تلك الأوقات هي الأشد على نفسي ودفعتني للبكاء خلال مشاهدتي لجثامين أطفال مقطعة وممزقة بفعل أكثر من ستة صواريخ متتابعة أطلقتها قوات الاحتلال على عمارة مكتظة بعائلات مدنية، فأفنتها من الوجود.
تواصلت معي مؤسستي للخروج برسالة على الهواء، لكني طلبتُ منهم الخروج بعد دقائق فقط ألتقط فيها أنفاسي لهول المشهد، وبالفعل غسلتُ وجهي ومن ثم خرجت، وصفت المشهد، وتحدثت عن تخبط الاحتلال، لكني لم أجرؤ على المواصلة كثيراً، فقلبي تمزق بتمزق أجساد أطفال عائلة “الكيلاني” التي لم يبقَ أحد من أفرادها على قيد الحياة ليواصل صوم أيام شهر رمضان المبارك في ذلك العام.
لقد كانت تلك الأحداث مقدمة للدخول في ليلة ساخنة للغاية، فما إن صلينا عشاء ذلك اليوم حتى بدأت زوارق وطائرات ومدفعية الاحتلال إطلاق المئات من القذائف والصواريخ تجاه مختلف محافظات قطاع غزة، وزادت وتيرة الاستهدافات من قبل قوات الاحتلال وكانت ليلة ساخنة للغاية، ففيها لم يتمكن أي من الصحفيين من النوم والراحة، بل انتابنا القلق الشديد وباتت خيمتنا في مستشفى الشفاء غير آمنة، فلا خطوط حمراء لدى الاحتلال الإسرائيلي، وحينها قررنا أن نتفرق عن بعضنا البعض داخل المستشفى ولا نمكث مجتمعين، في محاولة منا لتخفيف عدد الشهداء إن تم استهدافنا، وبالفعل كنا نتنقل من زاوية لأخرى داخل المستشفى، وهكذا حتى طلع الفجر.
وفي ساعات الصباح ساد هدوء حذر بعد ليلة ساخنة للغاية، وبينما نحن في حالة من الهدوء دوى صوت ستة صواريخ أولها اثنان جعلا الزملاء الصحفيين يستيقظون مفزوعين من نومهم. وخلال ساعات نهار ذلك اليوم جاء خطاب مفاجئ لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وتلاه خطاب لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لقد كان الخطاب مفاجئاً للجميع وغير متوقع على الإطلاق، خاصة وأنه جاء بعد حالة من الصمت الشديد من قبل السلطة الفلسطينية تجاه الجرائم المرتكبة في غزة، وكأن ما يجري في بلاد أخرى لا تنتمي لدولة فلسطين التي تتحمل مسئوليتها السلطة، لكن الأغرب في الخطاب هو المصطلحات التي تم استخدامها في كلا الخطابين من قبيل استفتاح رئيس السلطة محمود عباس خطابه بقول الله تعالى “أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير…”، لكن الأهم أن جميع من تابعوا الخطاب لم يصدقوا اللغة الداعمة للشعب والمقاومة في تلك الخطابات واتفقنا جميعا بأن “عباس” يخطط لمؤامرة لا نعرف تفاصيلها من وراء لغته التي جاءت في الخطاب.
