الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:52 م

مقالات وآراء

الذكرى الأربعين ليوم الأرض

حجم الخط
د.رشاد المدني

تشكل قضية الاستيلاء على الأرض في الفكر الصهيوني هدفاً استراتيجياً تسعى حكومة الإحتلال الصهيوني إلى تحقيقه باستمرار، ولذلك قام الكيان بسن الكثير من القوانين غير الشرعية من أجل مصادرة الأراضي العربية الفلسطينية والاستيلاء عليها واستخدامها في إقامة المشاريع الحيوية التي تخدم المصالح الصهيونية، وفي مقدمتها المشاريع الاستيطانية التي تهدف لتفريغ المدن والقرى من سكانها الأصليين وطردهم منها، باستخدام القوة العسكرية. ومن أهم هذه القوانين التي شرَّعتها سلطات الإحتلال من أجل تحقيق هذا الهدف المشبوه، قانون أملاك الغائبين، الذي أقره الكنيست في الخامس عشر من مارس عام 1950، الذي يمنح حكومة الإحتلال حرية التصرف بهذه الأملاك، إضافة إلى قانون قانون الطوارئ لسنة 1945، والذي يمنح الحكام العسكريين الصهاينة صلاحية إعلان المناطق عسكرية ولا يسمح بدخولها أو الخروج منها، إلى جانب قانون المناطق المحمية لسنة 1949، حيث يسمح لوزير الدفاع الصهيوني بالتعاون مع لجنة الخارجية والأمن في الكنسيت الإعلان عن المناطق المحمية وطرد سكان القرى الواقعة في حدود هذه المنطقة المحمية، وهو ما حدث فعلاً لسكان قريتي أقرت وكفر برعم في الجليل الغربي، بالإضافة إلى قانون الأراضي البور الغير مستغلة زراعياً، وبموجب هذا القانون يحق للحكومة الصهيونية الاستيلاء على الأراضي البور لتأمين فلاحتها والاستفادة منها.

ومن وجهة النظر الصهيونية فإن هذه القوانين غير كافية لتطبيق المخططات الرامية لمصادرة الأراضي حيث أضافت سلطات الإحتلال قانوناً ينظم الاستيلاء على العقارات في حالة الطوارئ، حيث يحق للحكومة الصهيونية الاستيلاء على أي عقار في حالة الاعتقاد بأنه ضروري لحماية البلاد والمحافظة على الأمن.

هكذا كانت وما زالت الأطماع الصهيونية تجاه الأراضي العربية في فلسطين، وبالفعل فقد قام الكيان الصهيوني بمصادرة عشرات آلاف الدونمات استنادا إلى هذه القوانين الجائرة التي انتهكت كل المواثيق والأعراف الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وكانت ضد اتفاقية جنيف الربعة ومخالفة للقانون الدولي الإنساني.

وما أشبه اليوم بالأمس، يوم أن انتهت حرب أكتوبر عام 1973م وازداد العمل الفدائي في شمال فلسطين، في ظل تناقص الهجرة اليهودية وبداية حركة الهجرة اليهودية من المستوطنات الشمالية إلى مناطق الوسط، فقد تنبه الإحتلال الصهيوني إلى هذه الظاهرة وإلى خطورة بقاء منطقة الجليل عربية، لذلك رأت أن خير وسيلة لتفتيت الكثافة العربية في الجليل هو اللجوء إلى الإعلان عما سمي مشروع تطوير الجليل، الذي يعبر في حقيقته عن خطة لتهويد الجليل العربي.

كان يسكن في الجليل 150 ألف عربي فلسطيني مقابل 62 ألف يهودي، إضافة إلى ما يقرب من 40 ألف عربي يعيشون في أطراف الجليل في حيفا وعكا وشفا عمرو وغيرها.

وبدأت المعركة عندما قرر الكيان الصهيوني مصادرة 221 ألف دونم من أراضي سخنين ودير حنا وعرابة وكانت هذه الشرارة التي أشعلت نيران هبة شعبية ضد خطط الكيان التهويدية، التي أدت إلى عقد اجتماع ضم رؤساء المجالس المحلية والبلديات والمحامين والأطباء والمهندسين وأصحاب الأراضي والصحفيين وتم مناقشة القضايا المختلفة وعلى رأسها مصادرة الأراضي العربية، وقد نتج عن هذا الاجتماع تشكيل "لجنة الدفاع عن الأراضي العربية، التي أدارت دفة التصدي لمخططات الاحتلال والتي كان على رأسها يوم الثلاثين من شهر مارس، الذي سبقه بيوم واحد استشهاد المواطن خير أحمد ياسين والذي كان أول شهداء يوم الأرض وفي اليوم التالي وعلى إثر هذا أعلن الإحتلال منع التجول لمدة 24 ساعة، ولكن الجماهير العربية تحدت الإحتلال وخرجت إلى الشوارع غاضبة واشتبكت مع الجيش في معركة لم يسبق لها مثيل واستشهد في يومها ثلاثة من المواطنين هم خديجة شواهنة، ورشا أبو ريا، والشهيد خضر خلايلة، وجرح أكثر من 70 شخص واعتقل العشرات، وقد انضم لاحقا إلى قافلة شهداء الدفاع عن الأرض الشهيد محسن طه ورأفت زهدي.

وما أشبه الأمس باليوم، ففي الوقت الذي يُحيي شعبنا الذكرى الأربعين ليوم الأرض تشتعل معركة الدفاع عن الأرض الفلسطينية، ونعيش هذه الذكرى في ظل إنتفاضة شعبنا المستمرة التي تسير نحو تحقيق الهدف الأسمى وهو التخلص من الإحتلال الصهيوني وطرده من كافة المقدسات الإسلامية.

إننا ونحن في ذكرى يوم الأرض لا بد وأن نستحضر هذه السنين التي طواها الزمن، لنختصر ما تبقى من وقت ونختصر كثيرا من المسافات من خلال الوحدة والقوة التي لا يمكن مواجهة العدو إلا بها.