كان هذا اليوم هادئاً مقارنة بغيره من أيام العدوان، وخلاله بدأت تنشط حركة المواطنين بشكل مختلف عن الأيام الماضية من أيام العدوان، غير أن هذا اليوم تخلله العديد من الأحداث المهمة الخاصة بي، ففي هذا اليوم تفاجأنا كصحفيين بزيارة قرر القيام بها وزير الصحة في حكومة رامي الحمد الله لمستشفيات قطاع غزة الدكتور جواد عواد، وبالمناسبة فقد جاءت هذه الزيارة بعد تسعة أيام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وسقوط مئات الشهداء والجرحى بينما لم نسمع بموقف لذلك الوزير في وقت سابق، كما أن العاملين في القطاع الصحي لم يتم حل قضية وظائفهم ولم يتلقوا رواتبهم منذ عدة شهور، هذا عدا غياب الكثير من الأدوية والمهمات الطبية التي غابت عن مستشفيات القطاع المحاصر ورحلت بغيابها العديد من أرواح المصابين بقذائف وصواريخ الاحتلال.1
باختصار، لقد اعتبرتُ الزيارة “وهكذا نظر إليها العديد من الزملاء الصحفيين” إهانة لأهالي قطاع غزة في ظل التنصل من جانب تلك الحكومة لحقوق المواطنين وموظفي القطاع الصحي، فقررت على الفور ألا أسكت، وكتبت على صفحتي على موقع الفيس بوك منشوراً عبرتُ من خلاله عن رفضي لهذه الزيارة بشكلها المعلن، لكني وإن كنت قد كتبت ذلك المنشور، غير أني لم أتوقع أن يجد هذا المنشور ذلك التفاعل الكبير من قبل المواطنين.
وما هو إلا وقت قليل على كتابتي على ذلك المنشور حتى انطلقت حملة شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لرفض هذه الزيارة والمطالبة بإفشالها، وفي مجمع الشفاء الطبي تجمهر مئات المواطنين حاملين البيض والأحذية لاستخدامها في استقبال الضيف القادم لقطاع غزة، وأمام معبر رفح تجمهر عشرات الشبان وهاجموا وفد الوزير الزائر بقوة، وبصعوبة تخطى الوفد الشبان الغاضبين.
وعودةٌ إلى مستشفى الشفاء، فقد انتظرنا معشر الإعلاميين والصحفيين قدوم الوزير الزائر، وكنا نتمنى وصوله لأن لدينا عشرات الأسئلة التي تجول في عقولنا ونحتاج للإجابة عليها من قبل الوزير. انتظرنا طويلا لكن الوزير لم يصل وقطع زيارته مبكراً واكتفى بما جرى له أمام معبر رفح.
أما داخل المستشفى، فقد عم الغضب الشديد بتلك المنطقة في صفوف الشباب وأهالي الجرحى والمصابين وصلت إلى الذروة، وعلى الأرض أمام بوابة مجمع الشفاء الطبي كتبوا على الأرض عبارات مختلفة كان منها “عباس خائن”، وخلال حديثي مع مواطنين من ذوي مصابي عائلة البطش فقد جهزوا أحذية كما قالوا لضرب الوزير الزائر.
أما أنا فقد كنت سأسأل الوزير الزائر: لماذا جئت إلى غزة بينما أهلها لك كارهون؟ وكنت سأسأله: كيف تقيم علاقة “بلادكم” بالبلد الذي تزوره غزة؟، وكنت سأسأله: لماذا تتعاملون مع غزة على أنها بلد عدو؟.
لقد كان يتملكني الغضب من هذه الزيارة وتوقيتها، وكنت أتساءل لماذا تعاملت هكذا حكومة “الحمد الله” مع غزة على الرغم بأن شعارها هو حكومة توافق وطني ستوحد الفلسطينيين؟، لكن ربما أن سؤالي لن أجد إجابة واضحة عليه في الوقت الحالي وستكشف الأيام المقبلة أحداثا عنا كانت غائبة ولا نجد لها إجابات في الوقت الحالي.
وفي عصر هذا اليوم وبينما كنت أُجهِّزُ نفسي لتناول طعام الإفطار وكنت أحاول إيهام نفسي بأنه يوم هادئ، وبدون مقدمات وصلت سيارة مدنية للمستشفى فكانت الصاعقة حينما رأيت فيها شخصاً مصاباً هو من أعز أصدقائي وأقربهما إلى قلبي إنه “إسماعيل”.. جاء وقد استهدفته طائرة استطلاع وأصيب في رأسه وعلى الفور تم إدخاله إلى قسم العناية المكثفة، وما هي إلا دقائق وكأنها كلمح البصر حتى تم إعلان استشهاده.
باستشهاد صديقي “إسماعيل” تبدل الشعور بانتظار الإفطار إلى رغبة أخرى بكره تناول الطعام، فاستشهاده دفعني للرحيل نحو ذاكرة أهله وزوجته وطفله الوليد الذي تحول إلى يتيم، وقد بدأتُ أتخيل الأجواء التي يعيشونها في هذا الوقت الذي يسبق موعد الإفطار بقليل، وهذه الحالة دفعتني لمحاولة التخفيف عن نفسي بالدموع التي انهمرت مني على فراق أخٍ عزيزٍ أحبه جيرانه وكل من عرفوه وكان شعلة من النشاط والعمل الدؤوب، لكن الله تعالى ختم حياته صائما واختار له راحة بعد طول عمل ونشاط.
