أسدل الليل ستاره واشتدت ظلمة سماء غزة، واعتقدتُ للوهلة الأولى وكما قرأتُ في كتب التاريخ بأن المعارك تهدأ خلال ساعات الليل، غير أن “إسرائيل” بجبروتها أرادت الأمر غير ذلك، فلا قوانين توقفها عند حدها، كما أنه لا أطراف تنظر للفلسطيني كإنسان حتى تتدخل لوقف الجريمة.
وخلال هذه الليلة أضاءت صواريخ وقذائف الاحتلال كل محافظات قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، وبات في حكم المستحيل علينا في إذاعة صوت الأقصى رصد مكان سقوط ذلك الصاروخ أو تلك القذيفة بشكل كامل، وإن كنا قد ضاعفنا أعداد مراسلينا لتغطية تلك الأحداث وهذا العدوان المجنون، فما إن يخرج المراسل برسالته لوصف ما جرى نتيجة القصف حتى يتصل ثانٍ ومراسل ثالث طالباً الخروج على الهواء للحديث عن قصف في منطقته، حينها أصدرتُ قراراً للمراسلين باختصار الرسائل الصوتية لدقيقتين فقط، خاصة في ظل الأحداث المتوالية.1
وللتدليل على ما أقول فيكفي القول بأن هذه الليلة تم خلالها شن أكثر من مائتي غارة طالت أكثر من مائة وخمسين هدفاً، وتم خلالها تدمير أكثر من ثلاثين منزلاً والعديد من الأماكن الخاصة بالبنى التحتية وشبكات الصرف الصحي والكهرباء والاتصالات والعديد من المقار التابعة للأجهزة الأمنية في قطاع غزة.
نهضت غزة في صباح يوم الأربعاء، ونهض الصحفيون كذلك، أو بالأحرى استعدوا لتغطية جولة جديدة من العدوان الإسرائيلي على غزة، وفي ساعات الصباح قررت تفقد أهل بيتي ومحاولة الراحة قليلاً معهم لاستئناف العمل.
جلستُ مع أبنائي وزوجتي وأهلي في ذلك اليوم، وبدأنا نتبادل أطراف الحديث الذي قطعته أكثر من مرة لكثرة الاتصالات التي وصلتني حول استهدافات لقوات الاحتلال على مناطق مختلفة من غزة، وبلا مقدمات دوى انفجار كبير بجوار منزلنا، فخرجتُ مسرعاً من البيت لأجد أن الطائرات الإسرائيلية الحربية بدون طيار استهدفت منزل ابن عمي “أبو مصعب” بدون سابق إنذار، أخرجنا أهل البيت على عجل، ولم تمضِ سوى خمس دقائق بعدما أخرجنا سكان المنزل بسرعة، وفاجأتنا طائرات الإف16 بتدمير المنزل بشكل كامل.
خرجتُ برسالةٍ على الهواء مباشرة لوصف ما جرى، وبعد أن سكن الغبار في المنطقة قليلاً رجعت لمنزلي لأجد أن دماراً أصابه بفعل استهداف المنزل المجاور لنا، حمدتُ الله تعالى، وبحثتُ عن أبنائي فوجدتهم قد هربوا إلى منزل بعيد عن منزلنا وسيطرت عليهم حالةً من الرعب والخوف، خففتُ عنهم وطمأنتهم أن الأمور بخير، وأرجعتهم للبيت وإن كانوا قد استمروا في خوفهم وانتقلت وجوههم من براءة الأطفال لخوف الكبار. صافحتُ والدتي وزوجتي وأبنائي وانطلقت بحثاً عن استهداف جديد للاحتلال الإسرائيلي ومعاناةٍ أخرى للمواطنين لنقلها للعالم لعل ضمير الإنسانية أن يتحرك فيه.
انطلقتُ في شوارع غزة وكنتُ أتحركُ بحذر شديد، فالطائرات الحربية بدون طيار تستهدف كل ما يتحرك على الأرض، وخلال سيري كان لساني لا يفتر عن ذكر الله التي كانت تخفف عني من الرعب الذي نشرته “إسرائيل” في شوارع قطاع غزة.
وخلال سيري على أقدامي في ذلك اليوم بدأت الرسائل والبيانات تصل إلى هاتفي المحمول وكانت إحداها تتحدث بأن كتائب القسام ولأول مرة استهدفت مطار نيفاتيم العسكري بصاروخين من طراز إم75 ويبعد المطار عن غزة أكثر من 70 كيلومتر. كما تستهدف مدينة حيفا المحتلة للمرة الثانية بصاروخ R160ومدينة ديمونة تقصفها لأول مرة بثلاثة صواريخ من طراز M75، وهي عمليات لكتائب القسام فتحت شهية وسائل الإعلام العبرية لبدء الحديث عن إنجازات المقاومة رغم حظر النشر عليها من قبل قوات الاحتلال.
ومع ساعات عصر ذلك اليوم تحدث الإعلام العبري أن قوات الاحتلال الإسرائيلي نصبت لأول مرة في تاريخها القبة الحديدية في القدس المحتلة، كما أنها تحدثت عن تعرض إحدى طائراتها لصواريخ مضادة في سماء قطاع غزة، أما القناة العبرية العاشرة فتحدثت عن وقوع عدد من الإصابات في حيفا المحتلة.
كنتُ أجلس في خيمة الصحفيين بمستشفى الشفاء بصحبة عدد من الزملاء الصحفيين ونتابع بشغف ما يجري من قبل الاحتلال الإسرائيلي من جانب، والمقاومة الفلسطينية من جانب آخر، وبدا ذلك الصحفي متلهفا لسماع إنجازات المقاومة على الأرض، حيث اعتبرها مُبشرات حقيقية لإمكانية هزيمة العدو الإسرائيلي، وما هي إلا لحظات حتى قطع حديثنا أخبار جديدة للمقاومة في عصر ذلك اليوم، فقد تناقلت وسائل الإعلام العبرية خبر مقتل ثلاثة إسرائيليين واندلاع حرائق في وسط “تل أبيب” اثر قصف لكتائب القسام، بل إن وسيلة إعلام أخرى ذكرت أن القسام قصف موقع “زيكيم” العسكري بخمسة صواريخ أثناء زيارة شخصيات إسرائيلية للمكان، حينها وقفتُ لا شعورياً وألقيتُ تحيةً عسكرية بشكل أثار استغراب زميلي، فقلت له: إن استهداف المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب للاحتلال ليس عسكرياً فقط، وإنما أمنياً. سألني وكيف: قلتُ له: قاموا باستهداف موقع “زيكيم” خلال زيارته من شخصيات إسرائيلية، وهو ما يعني اختراقهم الأمني للاحتلال ومعرفة تفاصيل الزيارات وغيرها.
اقترب موعد آذان المغرب، وكان علينا نحن الصحفيين التجهيز لتناول الإفطار، فتكفل بعضنا بتجهيز الطعام، بينما بقي آخرون يتابعون التغطية الإعلامية لما يجري من أحداث من حولنا، وبينما نحن كذلك حتى دَوت انفجاراتٍ كبيرة في المناطق الشرقية من مدينة غزة، تقصيت عنها لأجد بأن الاستهداف لم يكن لمقرات أو مواطنين بل استهدف الأموات الذين يرقدون في قبورهم بمقبرة بالقرب من ميدان فلسطين، استغرب الصحفيون من الاستهداف وقالوا: لعلك أخطأت؛ فتأكد مرة أخرى! تأكدوا معي ليدركوا بأن الاستهداف للقبور! حينها انتاب الجميع مشاعر الحقد على عدو مجرم جعل من عظام الأموات تتناثر في ميدان فلسطين كما أبلغنا أحد شهود العيان في المنطقة.
تناولنا طعام الإفطار وصلينا المغرب على عجل، فقد كنا ننتظر كلمةً سيلقيها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” في هذه الفترة، وبالفعل أطل الرجل عبر شاشات التلفزة، وبدا ثابتاً وواثقاً مما يقول، الأمر الذي جعلني أتأكد بأن المقاومة الفلسطينية قد آلمت الاحتلال الإسرائيلي هذه المرة.
أوقف تفكيري التصريحات التي أطلقها “مشعل”، فقد أكد أن حركته تلقت اتصالات من كل أنحاء العالم من أجل التهدئة، وذكر بأن المقاومة رد فعل طبيعي على ما يقوم به “نتنياهو” من جرائم، ووجه رسالة للإسرائيليين أعطتنا دفعةً من الثقة بالمقاومة، وذلك حينما قال: “لن يطول الزمن حتى لا تجدوا فلسطينياً يرضى بأرض الـ67 كدولة فلسطينية، غيروا قيادتكم”.
وخلال ساعات المساء لم نكن نعلم بأن الاحتلال الإسرائيلي ماكراً بهذا الشكل، بل وعديم شرف للبندقية التي يحملها ويوجهها للمدنيين بعدما فشل في مواجهة العسكريين، فمشاهدة طائراته للمواطنين وهم يتابعون إحدى مباريات مونديال كأس العالم في استراحة على شاطئ ساحل القرارة في خان يونس، غير آبهين بقصفه واستهدافه، أغاظه فحول أجسامهم لأشلاء اختلطت في رمال شاطئ البحر.
لم تتوقف الأخبار المزعجة في ذلك المساء، فقد نقلت وسائل الإعلام طلب رئيس السلطة محمود عباس من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العمل من أجل التوصل لتهدئة وكأن قطاع غزة إقليم آخر “وعباس” طرف ثالث بقي صامتاً خلال الأيام الماضية ولم يستنكر الإجرام الإسرائيلي بحق أبناء شعبه في غزة، حتى إذا ما تكلم نطق “كفراً”!.
ولم نكد ننتهي من النقاش حول طلب “عباس” ومحاولة معرفة مبرراته، حتى اتصل بي أحد الزملاء الصحفيين من الضفة الغربية المحتلة، مؤكداً انتشار قوات من الشرطة الفلسطينية في الخليل وقيامها بنصب حواجز في رام الله في محاولة منها لمنع مواجهات للمواطنين الغاضبين مع الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة وتصرف لم نجد له ما يبرره سوى أنه يأتي في إطار الخيانة لتضحيات ودماء أطفال ونساء الشعب الفلسطيني الذين قَطَّعت أجسامهم صواريخ “إسرائيل”.
وحينما كانت الساعة تُشير إلى نحو العاشرة من تلك الليلة، وفي الوقت الذي كنا نمكث في مستشفى الشفاء بغزة دوَّى انفجارٌ غير بعيد عن المكان الذي كُنَّا نجلس فيه، وما هي إلا لحظات حتى وصل جثمان شهيد إلى المستشفى لم نتمكن من التعرف عليه لكثرة التشوهات التي أصابته، وبعد التحري تبين أن السيارة التي تم استهدافها بمنطقة الرمال تحمل شارة الصحافة، لنتلقى بعد قليل تأكيداً؛ بأنَّ الزميل “حامد شهاب” هو أول شهداء الإعلام الفلسطيني في هذه الحرب.
لكن ربما غطى على هذه الأخبار السيئة نبأ إعلان حكومة أسكتلندا عرضها استقبال جرحى العدوان ومعالجتهم ودعوتها لفتح معبر رفح، صحيحٌ أننا تمنينا أن يسبقها بهذه الخطوة الشقيقة مصر أو أي من الدول العربية إخوة الدين والعقيدة، لكن تحرك أسكتلندا أكد بأن الإنسانية لم تمت بعد في كل أرجاء العالم.
وفي هذه الأثناء أيضاً صرح “دان روسو” قائد المنطقة الجنوبية السابق في جيش الاحتلال بقوله: “لا يوجد في القاموس العسكري حسم مع حماس”، وهو ما اعتبرناه محاولة إسرائيلية لوقف العدوان نتيجة عدم توقعها لرد رجال المقاومة الفلسطينية، وهو أراد من تصريحه هذا تهيئة الجمهور الإسرائيلي لهذا الأمر، وربما عزز ما نذهب إليه وهو حديث الإعلام العبري في تلك الليلة عن وقوع اشتباك مسلح في “زيكيم” على شواطئ عسقلان ينفذه متسللون.
