السبت 10 يناير 2026 الساعة 04:51 م

مقالات وآراء

اللواء توفيق أبو نعيم وإمكانية الاستنساخ

حجم الخط
أيمن دلول

قبل أيام وخلال افتتاح السلطات المصرية معبر رفح لسفر عدد قليل من بين آلاف المحتاجين للسفر وبخاصة بعد الإغلاق المتواصل لعشرات الأيام لنافذة أهالي غزة الوحيدة نحو العالم من قبل مصر، صلى اللواء توفيق أبو نعيم الفجر وحزم أمتعته مبكراً دون الكشف عن وجهته لمرافقيه الذين استغربوا من تبكيره في الخروج قبل الساعة السابعة صباحاً، كما تفاجئوا بمظهره حيث ارتدى ملابس لا تكاد تُظهر الشخص الذي يلبسها.1

 

مضت سيارة اللواء “أبو نعيم” تخترق شوارع غزة حتى وصلت إلى صالة المسافرين في خانيونس، توقفت على أبواب الصالة وطلب اللواء من مرافقيه البقاء خارج الصالة بينما دخل يتفقد المكان متخفياً بملابس رجل عجوز، وصل إلى رجل مريض يتمدد في نهاية الصالة، اقترب منه فعرف أنه يحمل مظلمة تتعلق بسفره، فحمل أوراقه وقدمها لمدير الصالة الذي تفاجأ منه، وبعد الانتهاء وحل هذه المشكلة انفرد بأحد أكبر ضُباط الصالة موبخاً إياه على تعامله مع ذلك الرجل العجوز والمريض، بل وطلب منه القدوم لمكتبه في اليوم التالي لمتابعة الحكاية!!.

 

هذه ليست القصة الوحيدة التي دارت فصولها على أرض قطاع غزة، فمنذ استلامه لمهامه كمدير لقوى الأمن الداخلي خلفاً للواء صلاح الدين أبو شرخ في الثالث عشر من ديسمبر عام 2015م، يتنقل “أبو نعيم” بهمة ونشاط بين المقرات وفي الشوارع لتفقد العمل والاطلاع على أي تقصير، كما أنه قد شوهد وبدون سابق انذار متخفياً في أماكن مختلفة لمتابعة أي خلل وبخاصة في الملفات والإدارات التي هي على احتكاك مباشر مع المواطن الفلسطيني، وربما مكوثه على مفترق السرايا قبل أيام “أحد أهم مفترقات الطرق في غزة” لفترة طويلة خير شاهد على ذلك، فقد ركن سيارته في محيطه وأخذ يراقب عمل عناصر شرطة المرور في تلك المنطقة، قبل أن يترجل من سيارته ليصافحهم ويشكرهم على الأخلاق العالية التي تعاملوا بها مع المواطنين.

 

إن من أفضل أساليب الرقابة التي يقوم بها المسئول وهذا في الدول والبلدان التي تسعى للنهضة بذاتها وتطوير عملها وأدائها، تلك التي يقوم بها المسئول بشكل مفاجئ وبدون إشعار مُسبق للجهة أو الإدارة التي سيقوم بمتابعتها أو زيارتها للاطلاع على العمل فيها، والكثير من المسئولين يقومون بالتخفي وعدم إظهار أنفسهم خلال تلك الزيارات وتقمص شخصية أحد المواطنين، وهذا أفضل أنواع الرقابة.

 

إن نموذج اللواء “أبو نعيم” الذي أمضى سنوات طويلة داخل سجون الاحتلال الصهيوني بحاجة إلى استنساخ لعشرات المسئولين الذين يؤمنون بهذا المنهج في الرقابة والمتابعة، وأما أشكال الرقابة الأخرى التي يقوم بها غالبية المسئولين في الوطن العربي، فالوقائع الميدانية تقول بأنها فاشلة ولا تحقق المطلوب منها للنهضة والتنمية من خلال وضع اليد على محاور الخلل وعلاجها بالأسلوب المناسب.

 

إن ما جعل الدول العربية تواصل السير في وحل التأخر والسير في ذيل الأمم، أن الرقابة فيها تعتمد على تصديع الرؤوس بموعد زيارة مسئول ما أي مؤسسة أو دائرة حكومية قبل وقوع الزيارة، وهو أمرٌ يجعل من يتجول في الإدارة خلال الزيارة يشعر وكأن العاملين فيها من الملائكة وليسوا من البشر، غير أنهم سرعان ما يعودون لحقيقتهم بمجرد مغادرة ذلك المسئول صاحب النظارات الشمسية للمكان، فيشتموا هذا المُراجع، ويتلذذوا بمعاناة ذاك المريض، وهكذا في سلسلة من الفشل البشري المتأصل في أنفسنا التي تعاف الرقابة والمتابعة والمحاسبة إن انتاب عملها أي خلل.

 

أنا أُدرك بأن الكثير من المدراء في وطننا العربي يرفضون أسلوب التخفي وعدم الإشعار لأي زيارة قد يقوم بها أي مسئول لهم، لكن هذا الشكل في التعامل يجب أن يتوقف وأوطاننا العربية يجب أن تنهض من كبوتها التي طال أمدها وخيرات بلادنا يجب أن تتجه إلى وجهتها الحقيقية. أما أي موظف أو مدير يرفض أن يتم الرقابة عليه بالشكل الصائب فهو حتماً يُمارس أفعالاً يخشى من كشفها أو اطلاع المسئول الأعلى منه عليها، ولو كان يعمل بكل أمانة لما خشي على نفسه أي زيارة مفاجئة للرقابة عليه وعلى أعماله من أي شخص في البلد.