في أحد المساجد المعروفة والكبيرة بمدينة غزة اجتمع خلال صلاة العشاء أربعة من المجانين، أضافوا نكهة خاصة على الركعات الأربعة التي أداها مئات المصلين ولم تستثنِ الإمام من عيش ذات الموقف، بل إنه أخبرني بعد الانتهاء من صلاته بأن تفكيره انشغل خلال الصلاة في أحد أولئك الذين ضاع عقلهم وتمكن من اختراق صفوف المصلين الأربعة وأخذ يدور حوله، وينقل أحد الكراسي من يمين الإمام إلى يساره، حتى خشي الإمام أن يشاركه ذلك المجنون في الإمساك بمكبر الصوت ومتابعة “الصلاة” على طريقته الخاصة.222
ذلك المجنون ما إن بدأ الإمام بالصلاة حتى بدأ بإطلاق مواهبه، فتارة يدفعُ ذلك العجوز لاختراق الصف الذي يقف فيه، ومرة أخرى يتخطى ذلك الرجل المريض، وفي مرة ثالثة قام برفع أحد المقاعد التي يجلس عليها أحد المصلين المرضى ونقله لمكان آخر، ومع حركاته ذهب خشوع المصلين وبات تركيزهم في الحركات التي يصنعها بلا وجل ذلك المجنون أمام صفوف المصلين الخمسة التي يعجُ بها المسجد.
وما إن انتهت الصلاة، وفي غمرة تفكير مئات المواطنين عن جدوى صلاتهم وإن تم قبولها من عدمه، قطع حبل تفكيرهم المجنون الثاني حينما تقدم إلى منبر رسول الله “صلى الله عليه وسلم” في ذلك المسجد، وبدأ باستعراض جديد لمهارات ومواهب المجانين وسط العقلاء!!.
وبلا مقدمات، صعد ذلك المجنون منبر المسجد وبدأ يقتلع ملابسه القطعة تلو الأخرى، ويتحدث بأعلى صوته فوق المنبر الذي من المفترض أن له قدسية وحرمة لا ينبغي انتهاكها من قبل العقلاء وليس المجانين، غير أني حمدتُ الله تعالى أن بعض شباب المسجد تدخلوا وقطعوا على ذلك المجنون حلقة من مسلسل جنونه، قبل أن تتواصل فتكون نهايتها على شكل لا يتمناه أحد.
خيراً كبيراً ساقه الله تعالى أن استعرض مواهبه خلال الصلاة في ذلك المسجد مجنون واحد من أصل أربعة فقط، ونتائج الصلاة كانت بدون إصابات أو أضرار في ذلك المسجد باستثناء ذهاب الخشوع خلال أداء تلك الفريضة عن غالبية المصلين في ذلك المسجد.
وأمام هذا الواقع الذي بات يتكرر باستمرار في مساجدنا، سواء بدخول المجانين وفاقدي العقل أو الأطفال صغيري السن لحد كبير والتشويش الذي تعيشه الكثير من المساجد بانتشار الباعة المتجولين أمام أبوابها، والذين لا ينتظرون حتى الانتهاء من الصلاة حتى يبدؤون بإطلاق أبواق سياراتهم أو عرباتهم دون مراعاة لصلاة أو خشوع وغيره.
إن على الجهات المسئولة في بلدنا أن تقف أمام مسئولياتها بضرورة توفير الأجواء المناسبة في مساجدنا للخشوع، فالمساجد هي بيوت الله تعالى على هذه الأرض، ونحن كبشر لا نقبل أن تكون بيوتنا منتهكة من قبل المجانين أو الذين لا يعرفون حرمتها، فإن كُنا لا نقبل انتهاك حرمة بيوتنا نحن البشر فإنه من باب أولى أن نحافظ على طهارة وقدسية ونضارة وبهاء بيوت الله تعالى، فهي أحب بقاع الأرض عند الله، وندخلها بعدما ألقينا هموم الدنيا ومشاغلها خارج أبوابها لنتفرغ ساعة من الزمن منشغلين في ذكر الله تعالى وتجديد تمسكنا بحبله المتين الذي ألهتنا عنه مشاغل الدنيا، فلنعمل جميعاً على استعادة هذه الهالة لمساجدنا ولنجنبها المجانين والأطفال الصغار، ولنُبعد عنها الباعة الذين لا يراعون حرمتها أو نظافة أبوابها.


