الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 10:21 ص

مقالات وآراء

لماذا تخشى “حماس” المشاركة في قيادة موحدة لانتفاضة القدس؟

حجم الخط
أيمن دلول

سؤالٌ كبيرٌ بات يطفو على السطح منذ اندلاع انتفاضة القدس التي أشعلها الفلسطينيون في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه في مدن وبلدات الضفة الغربية والقدس المحتلة. وهو سؤال يُطلقه البعض بحسن نية من جانبهم، وبعضهم بطريق عفوي من باب أن مواجهة الفلسطينيين للاحتلال موحدين سيجعل من ضربات المقاومة الفلسطينية أقوى وأشد على كيان الاحتلال. لماذا إذاً تخشى حركة “حماس” من المشاركة في قيادة موحدة لانتفاضة القدس؟ وما هي مبررات التباطؤ من جانبها لإصدار قرار بهذا الشأن؟.1

 

أكثر من تسعين يوماً مرت على اندلاع شرارة هذه الانتفاضة، وحسب ما هو واضح فإن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كونها رأس حربة المقاومة الفلسطينية لم تُعر المطالبين بتشكيل قيادة موحدة لانتفاضة القدس الانتباه المناسب، وهو تجاهلٌ قد يكون له ما يبرره من قبل هذه الحركة، خاصة في ظل متابعة ضغطها الكبير ودفعها المتواصل نحو استمرار جذوة الانتفاضة مشتعلة في وجه الاحتلال، سعياً منها لتحقيق أهداف مختلفة ترى بأن الانتفاضة وحدها القادرة على انجازها وتحقيقها.

 

وقبل معرفة مبررات رفض “حماس” المشاركة ضمن قيادة موحدة للانتفاضة يجب وضع العديد من النقاط على الحروف، وهي نقاط ستُنير لنا الطريق لمعرفة أسباب تباطؤ “حماس” عن خطوة يعتبرها البعض أنها تأتي لزيادة التقارب والوحدة الفلسطينية:

 

يجب أن يكون حاضراً على أي طاولة حوار بشأن تشكيل قيادة موحدة للانتفاضة ضرورة البدء باتفاق قبل كل شيء على التسمية المناسبة لما يجري، فحركة “حماس” ومعها فصائل المقاومة الفلسطينية وغالبية الشعب الفلسطيني أطلقوا عليها مصطلح “انتفاضة” بمعنى أنهم يريدون لها الاستمرار لأطول فترة ممكنة، أما حركة “فتح” التي تقود السلطة الفلسطينية فأرادت أن تكون “هبة”، وفي سبيل ذلك فهي تعمل جاهدةً على عدم تصعيدها وتطوير أدائها. باختصار، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التوفيق بين أصحاب مدرستي “الهبة” و “الانتفاضة”.

ما هو الهدف من الانتفاضة،؟. حركة “فتح” تُريدها أداةً لتحريك مفاوضات التسوية مع الاحتلال الإسرائيلي، وهي المفاوضات التي لم تحقق على مدار عقدين من الزمن إلا السراب للشعب والقضية الفلسطينية، بينما حركة “حماس” فتريدها أن تكون أداة لتحرير الضفة الغربية أو جزء منها على الأقل، وما بين المفاوضات والتحرير هوة عميقة يصعب إزالتها.

ثم إن مشاركة حركة “حماس” ضمن قيادة موحدة للانتفاضة سيجعلها رهينة ومضطرة لتبني وجهة نظر تلك الفصائل المشاركة معها، فكيف سيتم الاتفاق بين تلك القيادة وتحت مظلتها فصائل لا تؤمن بمقاومة الاحتلال أصلاً، بل وتحارب كل جهد لذلك كما تفعل حركة “فتح” من خلال التنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي لوأد الانتفاضة.

عاشت حركة “حماس” تجربة مع الفصائل المختلفة فيما يتعلق بعدد من الملفات الفلسطينية من قبيل “المصالحة الفلسطينية، تشكيل حكومة الوحدة الوطنية”، وملفات أخرى مثل: موضوع إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، فلم تقم تلك الفصائل بالدور المطلوب منها وتركت حركة “حماس” وحيدةً في الساحة تقاوم أمواج متلاطمة من ملفات شائكة ألقتها تلك الفصائل في حجرها. وأمام ذلك الواقع فسيكون تصرف خاطئ وفاشل مسبقاً قيام “حماس” بالمشاركة في قيادة موحدة لانتفاضة القدس، وبخاصة أنها جربت تلك الفصائل فكانت نتيجة التجربة فشلاً ذريعاً في كل محاولات التوافق على القضايا والملفات المختلفة.

كما أن استمرار التنسيق والتعاون الأمني الذي تقوم به السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي يعتبر معول هدم لتشكيل قيادة موحدة للانتفاضة حتى قبل إنشائها، فكيف سيستقيم الأمر مع حركة “حماس” بمناقشة ملفات الانتفاضة مع حركة “فتح” في الصباح ومفاصل قوة الانتفاضة وسُبل تعزيزها، ثم تقوم حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية في المساء بتسليم محاضر تلك الاجتماعات للاحتلال الإسرائيلي.

ربما من الأسباب المانعة كذلك لحركة “حماس” من التقدم خطوات تجاه المشاركة في قيادة موحدة لانتفاضة القدس هو اعتقادها بأن هذا التشكيل سيقدم خدمة مجانية للاحتلال في مسألة سهولة تحديد وملاحقة قادة الانتفاضة واستهدافهم قتلاً أو اعتقالاً أو مطاردة، وصولاً لإخماد نيران الانتفاضة التي باتت تحرقه من الداخل ولا تزال. إن الانتفاضة بشكلها الحالي ستجعل الاحتلال الإسرائيلي يواصل حالة التخبط والتشتت في مواجهة فصولها المختلفة، فهو لا يعرف قادتها ومن يدعمها ولا يمتلك طرف خيط لها يوفر عليه جهد البحث والرصد والمتابعة، وكل جهوده سيكون مصيرها الفشل؛ كونها لا تعتمد على معلومات دقيقة. إن هذه الحالة تعتبر بمثابة أفضل هدية لحركة “حماس” والمتمثلة في استمرار اشغال الاحتلال الإسرائيلي وحالة ارتباكه، بينما تجلس الحركة تتابع وتتفحص بمعمق مختلف المتغيرات الحاصلة وسُبل تجييرها لصالحها بكل برودة أعصاب وبعيداً عن الأضواء.

الواضح بأن حركة “حماس” تجد بأن الانتفاضة بشكلها الحالي وفي شهورها الثلاثة الأولى على الأقل يُفضل أن تبقى شعبية وبلا إدارة مباشرة من أي تنظيم سياسي فلسطيني، وبذلك يمكن أن ينضم وينخرط تحت لواءها قطاعات فلسطينية واسعة تكون قادرة على استمرار إشعال جذوتها وامتداد أحداثها لأطول فترة ممكنة.

 

إن أفضل إدارة لتشكيل قيادة تحرك الانتفاضة يكون من خلال الميدان، فمن يتواجد في ميدان مواجهة الاحتلال هو الأقدر على اختيار قيادته التي يؤمن بها من خلال أفعالها وتضحياتها في مواجهة الاحتلال، أما زمن قيام أحدهم بالتربح من دماء الشهداء والصعود على آلام الجرحى والمعتقلين فيبدو أنه زمن مضى وبلا رجعة. إن الميدان اليوم هو ميدان العمل والتضحية ولن يكون قائد لهذا الشعب يتقدم الصفوف دون أن يقدم مهراً كبيراً من وقته وجهده ودمه في سبيل الوصول لذلك المكان.