مدينة غزة هي الأكبر في قطاع غزة وتتكون من عشرين حياً ومنطقة سكنية معتمدة لدى المجلس البلدي، إضافة إلى مخيم للاجئين الفلسطينيين، وفي صدارة أحياء المدينة يتصدر من حيث كبر المساحة حي الزيتون، حيث يمتد على “نحو 9156 دونم”، كما يأتي الحي في المرتبة الثانية من حيث عدد السكان البالغ نحو 78 ألف نسمة بحسب إحصائية جرت في العام الجاري “2015”.1
يقع الحي في قلب المدينة التلية القديمة، ويحتل نصفها الجنوبي تقريباً “جنوب شارع عمر المختار”، ورغم أنه يحتل تقريبا النصف الجنوبي من محافظة غزة، غير أن ترتيبه بحسب بلدية غزة في سلم أحيائها المنشور على موقعها الإلكتروني جاء في المرتبة الخامسة، ومن هنا تبدأ فصول المعاناة التي يعيشها أهالي الحي.
من التاريخ نجد أن اسم “الزيتون” الذي اقترن بهذا الحي جاء كنتيجة طبيعية لكثرة أشجار الزيتون التي ما زالت تغطي معظم أراضيه الجنوبية حتى يومنا هذا، رغم ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في اجتياحاته المتكررة للمنطقة من بوابتها الجنوبية والجنوبية الشرقية، وفور كل تدمير يقوم أهل هذا الحي بإعادة ترميمه وزراعته وتحويله لجنة خضراء تجلس على حدود غزة الجنوبية في مواجهة أي عدوان إسرائيلي، دون أن ينتظر المساعدات من هنا وهناك والتي لا تصل في غالبها.
وفي محطات تاريخية مختلفة، فقد تصدى أهالي هذا الحي لعشرات الاجتياحات الإسرائيلية التي استهدفته، وقدموا في سبيل ذلك المئات والآلاف من أبنائهم شهداء ومصابين في سبيل ألا يتسلل العدو صوب قلب غزة من تلك الناحية، ولم يطالبوا كغيرهم من الأحياء والمناطق في فلسطين بحقهم كرد على ما قدموه من تضحيات جسام؛ ولأنهم لا يُطالبون فقد وضع المسئولون الفلسطينيون على اختلاف توجهاتهم السياسية من العلماني فيها وحتى الإسلامي هذا الحي وأهله على الرف ووضعوه في ذيل أجندتهم من حيث الأهمية، رغم أنه يشكل الميمنة لجيش غزة الجنوبي، وسقوط الميمنة حتما سيوصل الأعداء إلى قلب كتائب الجيش، وهنا تحدث الهزيمة.
لا أتجنى في حديثي هذا، فأبناء التنظيمات الفلسطينية بما فيها “فتح” و “حماس” وغيرهم من باقي الفصائل وعامة الناس، ارتفعت وتيرة أحاديثهم هذه الأيام من حالة التهميش الواضحة التي يعاني منها هذا الحي من قبل كافة المسئولين، بل إن العائلات التي تسكن في الحي ويتخطى عددها السبعة وأربعين عائلة تُقر بما أقول وأكثر.
سأختلف في حديثي عن عامة الناس، وبخاصة أن المسئولين يحبون لغة الحقائق والأرقام، وأنا أحبها، لكني أتمنى بعد ذكر الحقائق التالية عدم الرد على كلامي هذا بأسلوب “النفخ” الذي لا يسمن ولا يغني من جوع من قبيل أن “أهل حي الزيتون أهل شهامة ورجولة وبطولة وغيرها من المصطلحات التي يتفنن المسئولون بالتغني بها”، أتركو هذه الشعارات الرنانة وأخبروني عكس ما أقوله إن كنتم على حق:
رغم أن حي الزيتون هو الأكبر من حيث المساحة والثاني من حيث عدد السكان، إلا أنه لا يوجد به منتزه واحد لأبنائه، رغم وجود أكثر من متنفس في أحياء مجاورة.
حي الزيتون فيه عيادة رعاية صحية واحدة تعمل لفترة واحدة فقط، وفي غالب الوقت لا يوجد فيها علاج أو حتى تحاليل طبية، بل إن الطاقم الموجود فيها في غالبه ليس على المستوى الجيد من الخبرة والعلم، وعلى مدار سنوات يرفض المسئولون جعل هذا المستوصف يعمل على مدار الساعة.
حي الزيتون فيه نادٍ رياضي واحد يحمل اسمه، لكنه نادي لا يوجد له ملعب أسوةً بباقي المناطق، يعني نادي من غير ملعب.
في المساجد بحي الزيتون قليلاً ما تجد الخطباء المتميزين يصلون للمنطقة، بل إن الكثير من مساجد المنطقة لا يصلها خطيب الجمعة ولا يعتذر عن ذلك، فيقوم بالخطبة التي تعتبر “المؤتمر الأسبوعي” للمسلمين بخطبة الجمعة بدون استعداد أو تحضير.
في حي الزيتون تنتشر منازل مواطنين منه لا تصلح للسكن أصلاً، بعضها من الصفيح أو القماش أو غيره، لكنها تقف بشرف في مواجهة اعتداءات الاحتلال. وعندما يتحدث المسئولون عن المشاريع التنموية لا يذكر فيها أحد بخير مواطني هذا الحي.
البنية التحتية في هذا الحي لها حكاية أخرى، فالكثير من خطوط الصرف الصحي مهترئة وكثيراً ما تطفح المياه منها، لكن دون استجابة لتغييرها أو تطويرها، أما الشوارع فرصيفها من التراب والحجارة في غالبها.
على الرغم من هذه الحقائق الصادمة وغيرها الكثير التي لا يتسع المجال لذكر بعضها، إلا أن هذا الحي الحدودي خرج الكثير من القادة والرموز الوطنية، ويعتبر حاضنة لكافة الفصائل الفلسطينية التي يغيب دورها جميعها عن أداء المطلوب منه تجاه أهالي هذا الحي، وغياب الدور باعتقادي نابع من حقيقة الحالة التي يعيشها المواطن القاطن في حي الزيتون، فرغم أنه يستجيب كل القرارات الحكومية ولا يُمارس العربدة والعنترية التي يمارسها بعض المواطنين في أحياء أخرى من غزة، إلا أن المكافئة التي يتم تقديمها له هو استمرار التهميش وعدم النظر بعين المسئولية لأهالي هذا الحي الذين لم يبخلوا عن وطنهم وقضيتهم ولا يزالوا، وإن كان ما يقدموه هو من دمائهم وأجسام أبنائهم وحطام منازلهم.
إن أهالي الحي بحاجة لوقفة جادة مع أنفسهم من قبل الوجهاء والمسئولين وأصحاب القرار للخروج من هذا الواقع وعدم الاستجابة لكل محاولات التخدير التي يمارسها قادة المجتمع الفلسطيني باستمرار تجاه هذا الحي.

