بعد إعلان رئاسة الأركان التركية إسقاطها للطائرة الروسية “سوخوي 21” على الحدود السورية التركية تخيلت أمامي الشاعر العباسي “أبو الطيب المتنبي” يشاهد صور سقوط الطائرة الروسية، ومتابعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلوا يتابعون تداعيات الأحداث، فتتحرك قريحته الشعرية ناظمةً قصيدة شعرية بدأها بقوله:
إذا غامَرْتَ في شرف مروم… فلا تقنع بما دون النجوم
والمتنبي بذلك يشير إلى القادة الأتراك الذين رفضوا استباحة أجواء بلادهم من قبل الطائرات الروسية، وربما إسقاط الطائرة الروسية لم يكن مفاجئاً للساسة الذين يتابعون المشهد ويعرفون العقلية التي يتمتع بها الشعب التركي، لكني أجزم بأن المفاجئة كانت من قبل الزعماء العرب الذين اعتادوا على انتهاك سيادتهم وكل شيء عندهم والتهديد بقولهم في كل مرة “سنرد في الزمان والمكان المناسب”، وهي تهديدات على ما يبدو أن عقوداً من الزمن مرت على بعضها لكن لم يحن موعد تنفيذها بعد. أما المواطن العربي الذي يتلقى صفعات الحط من الكرامة باستمرار بفعل تصرفات زعماء وقادة بلاده، فقد شكلت له الخطوة التركية صفعة ليصحوا من حالة الثمالة التي عاشها بفعل الذل والهوان الذي زرعته فيه القيادة العربية، وهي صفعةٌ جاءت لتخبره بأن “الدُب الروسي” الذي علا في الوطن العربي وقصف ودمر وعربد جاء من يوقفه عند حده، ليصطدم بالتحذير التركي الذي لم يحتج وقتا طويلاً ليجعل بموجبه من “سوخوي 21” إحدى أعظم أدوات العنجهية الروسية تحتضن الأرض بدلاً من التحليق بخيلاء في الأجواء العربية.1
منذ أن بدأت الحملة الحربية العدوانية الروسية على الأراضي السورية، حذرت الرئاسة التركية سلاح الجو الروسي من مغبة الاستمرار في اختراق الأجواء التركية، لتنفيذ هجمات اتضح بأنها تستهدف المدنيين السوريين ولم تكن لقتال التنظيمات “المتطرفة” في الأراضي السورية.
الواضح أن “موسكو” لم تأخذ التحذيرات التركية على محمل الجد وواصلت تجاوزها واستهداف المدنيين السوريين، فكان لا بُد من توجيه صفعة تركية “للدب الروسي” محسوبة النتائج وفي الوقت الحساس، وهي صفعةٌ ستوقف استمرار البخترة الروسية التي يقوم بها “فلادمير بوتين” في الوطن العربي على مدار الشهور الماضية.
في العام 2012م كنتُ أحد المشاركين ضمن وفد شبابي فلسطيني إلى الأراضي التركية، حيث أمضيت عدة أيام هناك حاولت من خلالها التعرف على الشعب التركي. انتهت رحلتي، فخرجت بانطباع مفاده أن المواطن التركي يحترم من يقدره، بل وهو على استعداد للمبالغة في الاحترام الذي يُنزلك في مكان لم تتوقعه، لكن على الرغم من كونه كذلك، إلا أن ردة فعله ستكون أعنف عليك لدرجة لم تتوقعها كذلك إن حاولت إهانته أو استعدائه والتقليل من هيبته.
يبدو أن روسيا وقعت في ذات الفخ تماماً، فقد اعتمد تقدير الموقف عندها بأن تركيا لن تُقدم لأي تطبيق عملي في سبيل تنفيذ تحذيراتها المتكررة بشأن استمرار اختراق الطيران الروسي للأجواء التركية، واعتمدت بذلك على حجم التبادل التجاري في مجال البترول الروسي والغاز بما يتجاوز 33 مليار دولار، كما أن تركيا تعتبر ثاني أكبر مستورد من روسيا، بالإضافة إلى أن الوجهة السياحية الأهم للروس هي الأراضي التركية، وبخاصة بعد إغلاق المجال المصري أمامها الذي أعقب سقوط الطائرة الروسية في سيناء المصرية.
لكن وبنظرة متأنية على الواقع نجد بأن اسقاط “أنقرة” للطائرة الروسية جاء بعدما وجد الرئيس التركي نفسه يقف على تربة صلبة امتلكها بحصول حزبه “العدالة والتنمية” على 317 مقعدا في البرلمان التركي من أصل 550 مقعدا، في سابقة هي الأولى من نوعها، كما أن اسقاط الطائرة جاء بعد مؤتمر “قمة العشرين” الاقتصادي الذي استضافته تركيا بمشاركة روسيا على أرضها ومررت من خلاله الرسائل المختلفة تجاه الكثير من القضايا وفي كافة الاتجاهات.
العبرة في اسقاط الطائرة الروسية أن الخارجية التركية أعلنت على الفور المسئولية والأسباب من وراء ذلك في حركة إعلامية قوية بعد الصفعة العسكرية التي لم تُفلح دول عظمى على القيام بها، كما أن “أنقرة” استدعت دول “حلف الناتو” لوضعهم في صورة ما جرى ولتوجيه رسالة شديدة لروسيا بأن أي خطوات أخرى ستحول الرد لحرب عالمية وليس بين “موسكو” و” أنقرة” فقط، ليس هكذا فقط، بل إن إعلان الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” بأن من حق تركيا الحفاظ والدفاع عن أجوائها ضد أي انتهاك أوقع “الدب الروسي” في حيرة من أمره، وهو موقف أمريكي أعتقد بأنه لم يأتِ بدون ضغوط تركية.
وأمام هذه الأحداث أعتقد بأن الأمور لن تتجه إلى التصعيد كثيراً بين الجانبين باستثناء بعض الرسائل الإعلامية، فروسيا ليست مستعدة لفتح جبهة عسكرية أخرى بعيدة عن أراضيها إلى جانب الجبهة السورية، كما أن التكلفة الاقتصادية لمثل هكذا خطوة أكبر من أن تتحملها روسيا التي تململت خلال السنوات الأخيرة بعد انكسار وتشتت الاتحاد السوفيتي، وسيكتفي الرئيس الروسي بتصريحه الذي قال فيه “لقد تلقينا طعنة في الخلف”، لمحاولة امتصاص الغضب الشعبي في بلاده، فإن لم يفلح بامتصاص الغضب فقد تكون روسيا مقبلة على تغيير سياساتها داخلياً وخارجياً من خلال صندوق الاقتراع.
أما تركيا، فبعد الضربة تكون قد حققت الهدف المنشود، ووجهت رسالة لمختلف الأطراف مفادها بأن “المارد العثماني” قادمٌ بقوة ويجب أن يكون حاضراً في أي تغييرات اقليمية تسعى مختلف الأطراف لرسمها خلال الوقت الراهن، وإن أي محاولة لتجاهله ستكون نتيجتها كارثية على من يقوم بها.


