الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 03:48 م

مقالات وآراء

ثقافة الاتجاه المعاكس

حجم الخط

يعد برنامج الاتجاه المعاكس الذي تبثه قناة الجزيرة من أكثر البرامج شهرةً ومشاهدةً في العالم العربي،ولو بحثنا فيما يميز هذا البرنامج لمعرفة سر إعجاب المواطن العربي به و دلالات ذلك النفسية والثقافية في مكونات شخصيته فإننا سنجد أن هذا البرنامج وباستثناء بعض الحلقات النادرة التي يدور فيها حوار هادئ  ويستمع  كل من الطرفين لما عند الآخر ويواجهه بالدليل والبرهان ،إلا أن السمة الغالبة على هذا البرنامج تظل في الصراخ ومقاطعة الآخر وعدم الاستماع إليه والضرب على الطاولة والتلويح بإشارات الاتهام وقذف كل طرف الآخر بصفات العمالة والخيانة والكفر والضلال، وعلى هذا المنوال ينقضي وقت البرنامج دون الخروج بفائدة تذكر فالجميع يصرخ ولا أحد يسمع وبذلك يصح أن نعتبره حوار طرشان وكلما ازدادت وتيرة الصراخ والشجار كلما شعر المشاهد العربي بحالة من الرضا والانتشاء لأنه حصل على ساعة من الإثارة والتشويق  هي أهم عنده من كل النقاشات السياسية والفكرية التي لا يجد فيها ما يجذبه.

إن رواج مثل هذه البرامج الصاخبة التي يغيب فيها الحوار المقنع المستند إلى الأدلة والحقائق تطغى عليها الإثارة والفوضى في بيئتنا العربية إنما يكشف عن وجود خلل في البنية الثقافية التي تشكل شخصية المواطن العربي فهو إنسان لم يتأهل بعد للانفتاح على الآخر والاستماع لما عنده وهو غير مستعد للتنازل عن رأيه حتى لو قامت كل الأدلة على بطلانه 'وإن يروا كل آية لا يؤمنوا' ،وهو بذلك يسير في الاتجاه المعاكس لهدي القرآن والسنة ،فالقرآن امتدح 'الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه 'وكلمة القول هنا عامة فهم يستمعون للقول أياً كان قائله وبعد ذلك يتبعون أحسنه ،وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نرى من أخلاقه أنه لم يكن يقاطع أحداً حتى يفرغ بل إنه في حواره مع المغيرة بن عتبة لم يبدأ في الرد إلا بعدما اطمأن بأنه انتهى من كل ما يريد قوله وتأكد من ذلك بسؤاله 'أفرغت يا أبا الوليد ؟'مخاطباً إياه بكنيته فإن كان لديه المزيد مما يريد قوله فإن النبي مستعد لسماعه حتى النهاية.

ولعل من أحد وجوه الحكمة في خطبة الجمعة التي شرعها الإسلام لنا هو إعطاؤنا درساً عملياً أسبوعياً في الإصغاء والاستماع فيمنع مقاطعة الخطيب حتى لو لم تتفق مع رأيه وعليك الاكتفاء بالإنصات فقط حتى تفرغ الصلاة ،وحتى لو تكلم أحد إلى جوارك أشر إليه بالصمت دون أن تحرك شفتيك لأنك إن قلت له اصمت فقد لغت صلاتك.

هذا المغزى العميق لم يفقهه بعض المسلمين في هذا الزمن فسعوا إلى  تلويث الأجواء النقية داخل المسجد ،فما إن يتحدث الخطيب حديثاً لا تهواه أنفسهم إلا ويهب أحدهم معترضاً بأعلى صوته دون مراعاةٍ لآداب المكان أو الحديث. ويتكرر هذا السلوك بشكل أكبر خارج المسجد في مجالس الناس وأثناء ركوبهم السيارات فلا أحد يحتمل الاستماع إلى الرأي الآخر ويتكلم الجميع في وقت واحد وربما جادل أحدهم في أكثر الحقائق سطوعاً من أجل إثبات صحة موقفه ،وهذا لا يجوز تسميته حواراً وإنما هو مراء ،ولا ينفض اللقاء إلا وقد شحنت النفوس وتباغضت القلوب دون أن ينجح أحد في تغيير قناعات الآخرين.

إننا بحاجة إلى تدريب أنفسنا على الاستماع والإنصات وتقبل الرأي الآخر وافتراض إمكانية صحته فآراؤنا تحتمل الخطأ وآراء غيرنا تحتمل الصواب، ومناقشة الآخر بكل هدوء لأن الهدوء هو الجو الملائم للوصول إلى الحق ،واللغو هو عدو الحقيقة وهو الأسلوب الذي يلجأ إليه المبطلون للتغلب على وضوح الحق وقدرته الذاتية على الإقناع 'وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ' ، وأن تصدق نياتنا في اكتشاف الحق وإتباعه حتى لو كان مع الخصم كما ورد عن
الشافعي حين قال 'ما جادلت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه '.

فليس مهماً أن أقنع الآخرين بما عندي ،ولكن المهم أن أصل أنا والآخرون إلى الحق. وتحسن قناة الجزيرة صنعاً بتغيير هذا البرنامج أو تعديل أسلوبه على الأقل إن كانت تسعى لنشر المفاهيم الصحيحة بين مشاهديها، وليس الإثارة فقط  كما هو الحال مع حلبات مصارعة الثيران.