الأحد 04 يناير 2026 الساعة 08:47 م

مقالات وآراء

أصل الجبال في القران..حقيقة سيخضع لها التاريخ 4

حجم الخط
د.فتح الله أبو ناجع

لقد حاولنا في المقال السابق  توضيح كلمة رواسي ودلالاتها و توصلنا إلي نتيجة مفادها أن كلمة رواسي تعطي دلالة أن الجبال أُلقت من فوق الأرض لتُثبتها وتمنع تمددها وهي صفة فعلية للجبال ,وقد نَكّرتها الآيات القرآنية ذات الصلة فقالت "رواسي" وليس "الرواسي" لتُبين عِظم فعلها ولا حدود لمعرفته.وسنحاول التدبّر في آيات الرواسي لإثبات صحة تلك النتيجة.وسنتطرق في هذا المقال عن دلالات استخدام الآيات لكلمة "ألقي "للرواسي.

 قال تعالي:

       (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ )الحجر 19

       (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) النحل15

     (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)10 لقمان

       (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)7 ق 

      يمكن أن نستدل من خلال التدبّر في الآيات السابقة ما يلي:

 

1-   دلالة كلمة "ألقي" :ألقي الشئ أي قذفه وطرحه ,ولكن ما الفرق بين ألقي وقذف , فالقرآن الكريم بآياته قد فرّق في النتيجة بين ألقي وقذف.ولنوضح الفرق بين ألقي وقذف من خلال التدبّر في الآيات القرآنية ذات الصلة.حيث سنجد في الآيات الفرق الواضح بين القذف والإلقاء في القرآن , وسنجد الدقة الاعجازية في كلام الله سبحانه الذي من خلاله سنفهم أن القذف هدفه الإخفاء إما الإلقاء فهدفه الإظهار ,فالقذف هو إخفاء المقذوف أو المقذوف عليه وهذا يعتمد علي حرف الجر بعد كلمة يقذف ,فالقول "يقذف علي"  الذي يختفي هو المقذوف عليه كما في قوله تعالي : (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) 18 الأنبياء,فقد اختفي الباطل وهو المقذوف عليه.أما إن كان حرف الجر "في" كقول "نقذف في " فالمختفي هو المقذوف ,فنجد في سورة طه في قوله تعالي: (إذ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ  ) 38-39 طه كان الإيحاء القلبي لام موسي أن تقذف موسي في التابوت فكانت النتيجة إخفاء سيدنا موسي ثم قذف التابوت في اليم فكانت النتيجة إخفاء التابوت في اليم ثم كان الأمر لليمّ بإلقاء التابوت في الساحل والهدف هنا إظهار التابوت ليراه آل فرعون.أما في سورة القصص ,قوله سبحانه:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)7القصص ,فكان الإيحاء لام موسي بان تلقي موسي في اليم ولم يكن الإيحاء بان تقذفه في اليم وهنا المعجزة البلاغية لأنه لو كان الإيحاء بأن تقذف موسي في اليم لاختفى سيدنا موسي فيه وكانت النتيجة الغرق .لذلك كان الإيحاء بإلقاء موسي بذاته في اليمّ والهدف هو إظهاره و منع غرقه. وفي سياق مشابه قوله تعالي (والقي في الأرض رواسي )ولم يقل قذف في الأرض رواسي وإلا اختفت الجبال ولم تظهر.فقوله تعالي(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) هدفه إظهار الجبال وليس إخفائها.ونعلم أن الإلقاء يكون من اعلي لأسفل إن كان (ألقي في) ولو كان الإلقاء من أسفل لأعلي لكان "القي ما فيه" كما في قوله تعالي :(وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ.أَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ)3-4 الانشقاق ,وهي الآية من أهوال يوم القيامة وتبين أن الأرض تُلقي ما فيها يوم القيامة فالفاعل المباشر لألقي هي الأرض وكان الإلقاء من أسفل لأعلي واستخدم "القي ما فيها" .أما في حال الرواسي قال( ألقي في الأرض ) والفاعل المباشر هو سبحانه وتعالي ولم يقل _ألقي ما في الأرض من رواسي_.

 

إذا نستنتج مما سبق الفرق بين كلمتي "ألقي" وهدفها الإظهار و"قذف" وهدفها الإخفاء, و أن الآيات استخدمت كلمة ألقي لإظهار الجبال ,كما نعلم أيضاً "القي في" هي  إلقاء علوي من أعلي لأسفل من خلال قوله تعالي(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) ولم يقل "ألقي ما في الأرض من رواسي".وهذا يقودنا مرة أخري للاعتقاد أن الجبال أُلقيت من خارج حدود الأرض لتستقر فيها وتثبتها من التمدد.

 

2- دلالة  "من فوقها" في قول تعالي )وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ) 10 فصلت

 

     كلمة فوق :على ؛ ظرف مكان يفيد العلوّ والارتفاع .وقد فُسرت  "من فوقها" أن الجبال تعلو الأرض أو تقع علي الأرض ولكن علماء الجيولوجيا أثبتوا أن معظم الجبال مغمورة في باطن الأرض ,وبالتالي القول بأن تفسير "من فوقها" أنها تقع فوقها غير منطقي. إذاً ما مدلول قوله تعالي ( من فوقها)  ؟ إنّ الآية تبين لنا المكان الذي جاءت منه الجبال وهو من فوقها أي من خارج حدودها .  فالآية توضح  أن الجبال أُلقيت عليها من خارج حدودها.ولنقارب المعني من خلال قوله تعالي:( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)إبراهيم 26,اجْتُثَّتْ بمعني اُسْتُؤْصِلَتْ مِنْ فَوْق الْأَرْض ,ولم يقل من الأرض , مَا لَهَا مِنْ قَرَار بمعني  مَا لِهَذِهِ الشَّجَرَة مِنْ قَرَار وَلَا أَصْل فِي الْأَرْض تَنْبُت عَلَيْهِ.نجد أن استخدام "من فوقها" كان لشجرة ليس لها أصل في الأرض ويقال أنها شجرة الحنظل وهي لم تخلق علي الأرض,لذلك استخدم "من فوق الأرض".

 

وقوله تعالي أيضاً:(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)26 النحل –وفي هذه الآية نجد أن استخدام "من فوقهم" يعبر عن مكان وجود السقف  فقد سقط من فوقهم.إذاً يتبين أن "من فوقها" تجيب علي سؤال ,من أين جاءت الرواسي؟ولا تجيب علي سؤال أين تقع الرواسي؟فلو كان السؤال أين تقع لكان الجواب" فوقها" وليس "من فوقها". لذلك "من فوقها"   لها دلالة واضحة أن الرواسي جاءت من خارج حدود الأرض أي من فوقها وليس من باطن الأرض.

نلخص القول أن كلمة "ألقي" لها دلالة واضحة أن الجبال أُلقيت إلقاءاً من أعلي لأسفل وما أكد هذا الاستدلال قوله تعالي (وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا).