السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 03:55 ص

مقالات وآراء

اليحيى وباراك..!

حجم الخط

تتواصل المفاوضات العلنية والسرية المثيرة للسخرية، والتي يسير فيها عباس وفريقه من غير جلد، ولا ماء وجه، ولا حتى دم، فلم تعد تروعهم المجازر، ولا قتل الأطفال ودهسهم في الضفة قبل غزة، ولا حتى إصابة مرافق قريع جعلته يتوقف عن العبث، ولسنا هنا بوارد التعليق على المفاوضات ومدى خيانيتها والتي يحاول عباس من خلالها الإثبات بأن خيار المفاوضات في استرداد الحقوق هو الخيار الصحيح، وما سواه عبث، كما يحاول أيضاً امتلاك هوامش يستطيع من خلالها الثأر من حركة حماس التي أفشلت مؤامرته 'الديمقراطية' في غزة هاشم..!

كنا نسمع عن هذه الهوامش التي تعطى -بقصد- من الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني للسلطة اللاوطنية قبيل الحسم العسكري في غزة، حيث الدورات التدريبية المكثفة التي كانت تعقد في مصر والأردن لجماعة مختارة من طوال القامات صغار العقول أو ما يطلق على الواحد منهم في لغة العامة 'لطخ' أو 'أبله' أو 'ساقط'.. الخ، وكانت الحكومة العاشرة قد حذرت من هذه التدريبات مراراً وتكراراً، وقالت حينها أنها تستهدف إسقاط الحكومة الشرعية المنتخبة من قبل المجلس التشريعي بشكل ديمقراطي، لكن ردود السلطة وأبو مازن تحديداً حينها كانت مضطربة فتارة كانوا يقولون بأن هذه التدريبات لأجهزة الأمن كي تقوم بحفظ الأمن الذي من المفترض أن تشرف عليه الحكومة الفلسطينية العاشرة آنذاك! وتارة كان عباس يلوي عنقه قائلاً 'ليس لدي أي علم بهذا الأمر'، وهو الأمر الذي ذكره رئيس الوزراء إسماعيل هنية في غير محفل حيث أوضح بأن أبو مازن كان ينفي وجود أي مؤامرة كانت إيحاءاتها ترد إلى الحكومة الفلسطينية، والحق أن المفاوضات العبثية، وما يحدث من مذبحة على يد أجهزة الأمن في الضفة، وما سنذكره بعد قليل،  يؤكد بأن عباس محتال على الديمقراطية التي ادعى الالتزام بها، وأنه مشرف على الانقلاب على الشرعية الحقيقية..!

كعادة أزلام السلطة منذ فجرها المشؤوم المولود من اتفاقية مشؤومة نشهد نفثاتها المسمومة اليوم، لا نسمع منهم إلا خبثاً، ولا نرى من حضاراتهم إلا ما يثبت لنا مدى الخيانة والعمالة التي وقعوا فيها والمُعنونة بأسماء مختلفة مثل حفظ الأمن والنظام، المصلحة العليا، العقلانية، البراغماتية..الخ، لكن عبد الرزاق اليحيى أعلنها صريحة هذه المرة، وهو المعروف بإجرامه وبغضه لمسميات الجهاد والمقاومة رغم 'ما قيل' أن له ماض مشرف، لكن الأعمال عندنا بخواتيمها، وكم من مصل وصائم لأمر كان ينشده، فلما قضي الأمر لا صلى ولا صام!

وكما فضحت الأمر 'المفضوح لدينا سلفاً' جريدة هآرتس العبرية أن السلطة الفلسطينية شكلت وحدة فلسطينية خاصة بموافقة 'الكيان الصهيوني' والأردن والولايات المتحدة الأمريكية، مهمتها ضبط الأمن ومحاربة حركة حماس في الضفة الغربية، حيث 'جاء في تقرير نشرته الصحيفة العبرية،أن 620 ضابطاً وجندياً من قوات الأمن الوطني يتلقون تدريبات بناءً على طلب إسرائيلي على أيدي ضباط أردنيين بتمويل من الولايات المتحدة الأمريكية'. وأوضحت أن أفراد هذه الوحدة قد تم اختيارهم بعناية فائقة وقد تلقوا تدريبات خاصة، حتى أنهم في الجيش الإسرائيلي يتحدثون عن هذه الوحدة بأنها قوه فعلية. وبحسب الخطة الأمنية للسلطة الفلسطينية، فإن هذه الفرقة ستصل في الصيف (مطلع تموز/ يوليو) إلى الضفة الغربية، وستكون من ضمن خمس فرق مكلفة بحفظ النظام في الضفة ومواجهة حماس.

كل ما سبق 'أمر طبيعي' قلنا به قبل الحسم العسكري في غزة، وتحدث غير واحد من حركة حماس والحكومة الفلسطينية أنه أحد أسباب ما حدث في غزة، لكن غير الطبيعي أن يعترف من يشرف على هذه المؤامرة بأنه خبيث ووغد حقير ومتآمر على أبناء شعبه بكل صلف وقلة ذوق، بل وخيانة على رؤوس الأشهاد، بأنه يدرب قوات 'فلسطينية الهوية' من أجل إرضاء الأسياد من الأمريكيين والصهاينة، ولا ندري بأي مقابل 'ذي معنى' عدا إن كان المقابل هو تعبئة الجيبة والمزيد من فضائح الفساد غير المنتهية؟! حيث نقلت هآرتس عن اليحيى: 'إن هذا الجيش لن يتبع أي فصيل من الفصائل، ولكنه سيتبع السلطة الفلسطينية' وقال أيضاً: 'أنتم لستم موجودين هنا من أجل مواجهة إسرائيل، لأن الصراع معها لم يؤد حتى الآن إلا لمعاناة شعبنا وبدون نتائج إيجابية.. عليكم أن تثبتوا للإسرائيليين أن لديكم القدرة على العمل والنجاح'، هذا وقد استطردت الصحيفة في الثناء على اليحيى على مجهوداته العظيمة في حماية 'دولة إسرائيل'، وأشارت أنه ورغم حديث 'اليحيى' الضبابي للجنود المتدربين إلا أن الجميع فهم أن هذه القوة لمقاتلة حماس والقضاء عليها، وأردفت الصحيفة بأن جميع هؤلاء الجنود من النوع المختار الذين لم تتلطخ دماؤهم بدماء الصهاينة بل على العكس، يعني بالعربي 'بهاليل' أينما يوَجّهون يتجهون، وأينما توجهم لا يأتون إلا بشر مستطير على أنفسهم، وخير وفير على عدو شعبهم!

ونحن إذ نقرأ ونسمع بهذا الكلام لا نتميز من الغيظ بل نطرب فرحاً وسروراً، لأن ما قلناه بالأمس واعتبره كثير من الناس ضرباً من 'عقدة المؤامرة' يعترف به كبيرهم اليوم، وتفضحه وسائل إعلام 'أحبابه'، وهو يندرج في سلسلة الفضائح التي تسيل كالقيح على وجوه القوم المتآمرين، فمن فضائح مالية إلى فضائح 'تلفونية فتوحية' إلى فضائح سياسية، وحدث ولا حرج، فرائحة القوم تفوح بالعفن، والله المستعان، فمصيبتهم عمت وطمت!! وأعجب ما في الأمر أنهم مستمرون في غيهم بكل اضطراد، لا توقفهم أي فضيحة، بل تستحثهم لارتكاب أخرى، وهكذا دواليك، حتى يطمرون في فضائحهم، وعندها سيكتشفون أنهم ليسوا إلا زمرة فساد تعيش على 'موائد الارتزاق' أيّاً كان مموله!

بغض النظر عن الموعد الذي تأمل السلطة أن يتم استقدام الجنود الأشاوس المدربين في الأردن الهاشمية فيه ليقوموا بحفظ الأمن للاحتلال، إلا أن هناك تصريح آخر من رأس الأمن، لكنه هذه المرة ليس 'فلسطيني' بل 'صهيوني' وهو المجرم 'ايهود باراك' الذي عهدناه مجرماً حتى في تصريحاته، بل إنه يبدع في اختيار الألفاظ الإرهابية دائماً لكنه فاجأ الجميع بتصريح خارج عن العادة كما أوردته جريدة القدس العربي في 7/4/2008 حيث قالت: 'خرج وزير الأمن الإسرائيلي ايهود باراك، عن المألوف وقال بصراحة متناهية، موجها حديثه الي الوزراء في حكومة أولمرت، إن من يعتقد أنه يمكن القضاء على حركة حماس، فهو على خطأ، وهذا أول اعتراف إسرائيلي رسمي، من الرجل الثاني في الدولة العبرية بعجز إسرائيل عن تحقيق أحلامها وأحلام الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وبعض الدول العربية المحسوبة على محور دول الاعتدال، حسب التصنيف الأمريكي الإسرائيلي. وقالت صحيفة 'معاريف' إن أقوال وزير الأمن باراك ستنشر خلال الأيام القليلة القادمة في صحيفة (دير شبيغل) الألمانية، حيث أدلي وزير الأمن بمقابلة مطولة للصحيفة تحدث فيها عن آخر المستجدات في منطقة الشرق الأوسط'!!

إن تصريح باراك الجديد لا شك أنه سيوقف اللقمة في حلق المخلص 'عبد الرزاق اليحيى' ويصفع كل أمثاله من أصحاب الحلول 'الانبطاحية' أو ما يسمى 'محور الاعتدال العربي'، ومن الأهمية القول أن هذا التصريح 'الباراكي' لا يزيد في رصيد حركة حماس ولا أصحاب الفكر الإسلامي المقاوم، فهو حين يصفع المتنازلين لا يعطي شيئاً للمقاومين، ولا يعطيهم دفعة للأمام، بل هو اعتراف يتوجب على المخالفين بل المحاربين والمتآمرين على حركة حماس من جميع الجهات أن ينظروا إليه جيداً، ويعلموا أن الحق ما شهدت به الأعداء، وأن المقاومة التي تحميها وترعاها حركة حماس في قطاع غزة على جميع الصعد الإعلامية والعسكرية والإجتماعية هي التي استنطقت باراك ليعترف على الملأ بهذا الاعتراف الفريد...

بالطبع، لن يزيد هذا الاعتراف زمرة أوسلو إلا تعنتاً وصلفاً، وهذا يؤكد بأنهم عهدة ارتزاق لا يملكون إلا تخفيف الضربات عن العدو الصهيوني، وفي النهاية الحتمية للعدو سيذوب هؤلاء بفكرهم ومنهجم ووسائلهم المعوجة مع العدو، والأيام ستشهد وتثبت، والتاريخ خير معلم لمن أراد أن يفهم!

اليحيى وباراك، كلاهما يصب في صالح سياسة استعمارية واحدة من حيث الفعل، لكن الأول أحمق مشاكس يعرف الحقيقة ويعاند الحق ويركب خيل الباطل ولا يتعلم من دروس الزمان (مثل درس حزيران 2007)، أما الثاني فهو مجرم لكنه تعلم من دروس الزمان والتي لن يكون آخرها درس جبل الكاشف في معركة الحساب المفتوح الأخيرة..! فمن أحق بالاحترام من شعبه؟!