الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:27 م

مقالات وآراء

السلطة الفلسطينيّة تتحوّل إلى بلديّة موسّعة

حجم الخط
د.عدنان أبو عامر

ما زالت الأوساط السياسيّة الفلسطينيّة منشغلة منذ أواخر تمّوز (يوليو) بمسألة خلافة الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، وما يتعلّق بها من مخاوف فلسطينية وتقديرات مقلقة بشأن مستقبل السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة بعد غيابه، من جهة إفراغ المضمون السياسيّ للسلطة وتحوّلها تدريجاً إلى مجالس بلديّة موسّعة، تؤدّي أدواراً خدميّة، كما كانت عليه الحال قبل إنشائها في عام 1993م.

 

الخطورة في هذا السيناريو المتوقع للسلطة الفلسطينية بتحولها إلى مجلس بلدي أنه يمنع الفلسطينيين من تحقيق تطلعهم إلى أن تكون هذه السلطة مقدمة لإقامة الدولة، بل إن هذا السيناريو يعود بهم تدريجاً إلى سيطرة الاحتلال عليهم، وضياع أكثر من 20 عاماً عليهم دون جدوى منذ إنشاء السلطة الفلسطينية.

 

الاحتلال من جهته يسعى لجعل الفلسطينيّين يعيشون في (كانتونات) ومعازل من دون مقوّمات سياسيّة، والسلطة الفلسطينيّة مجرّد اسم، وهي في حقيقة الأمر لم تعد تتعدّى بلديّة موسّعة، وهناك خطّة إسرائيليّة لإضعاف السلطة، بحيث يتعامل الاحتلال في المرحلة المقبلة مع البلديّات وأطراف فلسطينيّة داخل الضفّة الغربيّة مباشرة، ما يضعف السلطة، ويفقدها كثيراً من شرعيّتها.

 

وقد يكون هناك استعداد لدى بعض الفلسطينيّين للتساوق مع السياسة الإسرائيليّة بتحويل السلطة الفلسطينيّة إلى كيان خدميّ موسّع من دون مضمون سياسيّ، خاصة من أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الفلسطينيين، الذين قد تلتقي مصالحهم الاقتصادية مع مصالح الاحتلال السياسية، في ضوء الضعف المتواصل الذي يحيط به، مع أنّ خطّته قد لا تصل إلى إنهاء السلطة الفلسطينيّة كليّاً، بل الإبقاء عليها ضعيفة هزيلة.

 

لقد بدأ الاحتلال عمليّاً تطبيق سياسة تهميش السلطة في الضفّة وتجاوزها، بالتّعامل المباشر مع الفلسطينيّين، حين منح 300 ألف منهم في منتصف تمّوز (يوليو) تصاريح لزيارة يافا وتلّ الربيع، خطورة الخطوة الإسرائيليّة أنّها منحت التّصاريح للفلسطينيّين مباشرة عن طريق مكاتب "الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة" المنتشرة في الضفّة، من دون أيّ دور للسلطة الفلسطينيّة، وتصرّف الاحتلال كما لو أنّه مسئول عن فلسطينيّي الضفةّ، وليس لهم سلطة تمثّلهم، وهذا تجاوز مهمّ وخطير للسلطة من جهة، ومن جهة أخرى تضخيم لدور الإدارة المدنيّة التّابعة للجيش الإسرائيليّ سلطة فعليّة على الفلسطينيّين.

 

مع العلم أن الاحتلال قد لا يعود لاحتلال كامل الضفّة في مرحلة ما بعد عبّاس، بل ربّما يلجأ إلى ضمّ بعض مناطقها وتنصيب قيادات محليّة بدلاً من حكومة السلطة لتؤدّي مهام إداريّة خدميّة على ما سيتبقّى من الأرض الفلسطينيّة، وهناك خشية فلسطينية من أن تتحوّل كل مدينة وقرية فلسطينيّة خارج نطاق السيطرة المباشرة للسلطة الفلسطينيّة إلى منطقة يسيطر عليها جيش الاحتلال، والاحتلال سيعزّز وضعاً كهذا.

 

ليست المرّة الأولى التي يتعامل فيها الاحتلال مع الفلسطينيّين مباشرة من دون وجود سلطة وسيطة بينهما، لقد أسّس بين عامي 1976-1982م روابط القرى، لتكون بديلة عن منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، بتكليف المجالس البلديّة والمحافظات في الضفّة الغربيّة إدارة شؤون الفلسطينيّين التعليميّة والصحيّة والزراعيّة، وفي هذا الإطار الشعب الفلسطينيّ بات يدرك أنّ الاحتلال الّذي صنع الانقسام بين الفلسطينيّين يسعى لإعادة روابط القرى في (كانتونات) منعزلة في الضفّة على حساب السلطة في مرحلة ما بعد عبّاس.

وتزامنت المخاوف الفلسطينيّة من تهميش السلطة وتحذيرات الاحتلال من اضطراره إلى إدارة أوضاع الضفّة بعد غياب عبّاس، ولذلك إنّ الجنرال يوآف مردخاي منسّق شؤون الأراضي الفلسطينيّة في وزارة جيش الاحتلال قد يجده مسئولًا مباشراً عن إدارة شؤون الضفّة الغربيّة.

 

الاحتلال عن طريق بعض ضبّاط أجهزته الأمنيّة يتواصل مع مسئولين فلسطينيّين مباشرة، من رؤساء بلديّات ومحافظين؛ للتباحث في قضايا خدميّة وتنسيقيّة من دون الرجوع إلى الوزارات الفلسطينيّة المختصّة، ويتجاهلها، وقد سجّلت أجهزة الأمن الفلسطينيّة تجاوباً من بعض المسئولين الفلسطينيّين مع الدعوات الإسرائيليّة، ورفضاً من بعضهم، ما شجّع الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة _وتحديداً الإدارة المدنيّة_ على توسيع رقعة التّواصل مع مسئولين فلسطينيّين آخرين، وهو ما ينذر ببوادر لتفكيك هيكلة السلطة الفلسطينيّة، والتّعامل مع كلّ مسؤول فلسطينيّ على حدة، بعيداً عن المنظومة الإداريّة الحاكمة في الضفّة الغربيّة.

 

أخيراً، كثيرة هي السيناريوهات المتوقّعة لمستقبل السلطة الفلسطينيّة في اليوم التّالي لغياب عبّاس، وتطرح على صنّاع القرار الفلسطينيّ أسئلة صعبة، مثل: هل إنّ السلطة الّتي أسّست عام 1994م لتكون مرحلة انتقاليّة لإقامة الدولة الوطنيّة الفلسطينيّة انتهى بها المطاف لتكون تحت سلطة الاحتلال، أم هي سلطة يديرها الاحتلال نفسه، أم ربّما تتحوّل في قادم الأيّام إلى كيان أمنيّ تابع لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنيّة، بعد إفراغها من أيّ مضمون سياسيّ؟