نشطت الماكنة الإعلامية العبرية في الآونة الأخيرة في رفع وتيرة الحرب النفسية، والتي استهدفت قطاع غزة في محاولة منها لإخضاعه، وذلك عبر تصريحات صحفية نشرتها الصحف والقنوات التلفزيونية العبرية على لسان ضباط سابقين وآخرين يستعدون للانصراف، بالإضافة لمصادر عسكرية أخرى. الواضح أن تلك التصريحات تعمدت تضخيم إمكانات المقاومة، وفي ثناياها اعتراف رسمي بفشل الاحتلال في تحقيق أهدافه في الحرب الأخيرة، وأيضًا فيها استباق للأحداث لتهيئة الرأي العام لتنفيذ جرائم حرب في أي معركة قادمة.
تلك التصريحات بينت لنا حالة الخوف التي تعيشها دولة الاحتلال من أي فعل تقوم به المقاومة في المستقبل القريب أو البعيد.
فعندما تقول صحيفة "معاريف" إن "كتائب القسام أتمت استعداداتها العسكرية للحرب القادمة، وأنها تنوي تنفيذ عملية عسكرية كبيرة في محيط غزة"، فهذا يشير بما لا يدع مجالًا للشك أن دولة الاحتلال متخوفة من ذلك وتدق جرس الخطر حتى يتنبه له الجميع، ولربما ما فرض عليها هذا الخوف، ما قامت به كتائب القسام من عروض عسكرية خلال الأيام الماضية، وتأكيدها على قرب انفجار غزة، حال لم يفك الحصار.
من جهته قال سامي ترجمان قائد ما يسمى المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال والذي يستعد لمغادرة منصبه: "إن محمد الضيف ما زال على قيد الحياة ويقود بفاعلية تنظيمًا عسكريًا كبيرًا يضم عشرات آلاف المقاتلين"، وفي هذا اعتراف بفشل جيشه في اغتيال المجاهد الضيف، وأنه لا زال ممسكًا بزمام الأمور، عكس ما كان يروج له إعلام العدو من أنه إما قتل، أو يرقد على فراش الموت، غاية منه _أي العدو_ في تحسين صورة جيشه ورفع معنويات جمهوره. ورغم تغني جيش الاحتلال بقدراته الأمنية، وأذرعه الطويلة، إلا أنه فشل في الكثير من عملياته خلال الحرب الأخيرة، وذلك باعتراف موقع "والا" نقلًا عن مصادر عسكرية إسرائيلية، قالت فيها: "إن الجيش كان عاجزًا عن تنفيذ عمليات خاصة في عمق غزة، وذلك بسبب نقص المعلومات الاستخبارية في كل ما يتعلق بالقطاع"، ويعد ذلك إنجازًا أمنيًا للمقاومة التي لم تبقِ ولم تذر من العملاء ومنابعهم، وهذا يحسب أيضًا للأجهزة الأمنية في غزة التي تحمي ظهر المقاومة. وفي محاولة منه لإرباك الدوائر القيادية في فصائل المقاومة، كشف موقع "والا" أيضًا "أنه _وفي المواجهة المقبلة_ ربما يحتل الجيش مستشفى الشفاء برًا أو بحرًا أو جوًا، لأنه _حسب تعبيره_ يشكل ملاذًا لقادة حماس في الحروب"، فالعدو بعد فشله في حروبه السابقة على غزة، ربما أراد تسليط الضوء على مجمع الشفاء الطبي، تحقيقًا للأهداف التالية:
1. شن حرب نفسية, 2. تهيئة الرأي العام الدولي في حال استهداف أكبر مشافي غزة في أي معركة قادمة, 3. إرباك الإعلام الفلسطيني، والعربي والدولي الذي يعتبر مستشفى الشفاء قبلته في الحروب والمواجهات، ويبث منه إلى العالم، مشاهد الشهداء والجرحى التي تهز صورة دولة الاحتلال، قائلًا للصحفيين: "ابتعدوا من هنا.. فالمستشفى لم يعد مكانًا آمنًا. "في كل الأحوال لا يمكن لجيش الاحتلال أن يصل إلى مجمع الشفاء، ولهذا، فقد ترك لماكنته الإعلامية أن تبث سمومها في هذا الإطار.
في ظني أن هذه التصريحات المتسارعة تأتي للضغط على حركة حماس في سبيل رضوخها، وإسقاطها للشروط التي تريد، وعلى رأسها الميناء ورفع الحصار، مقابل تثبيت لوقف إطلاق النار، ولكن أمام التهديد والوعيد الصهيوني، فإن هناك ثباتًا فلسطينيًا، ونديةً في التعامل، فكتائب القسام لم تترك محفلًا إلا وأكدت من خلاله أن المقاومة لن تصمت على استمرار حصار غزة، وأن الانفجار قد يحدث في أي وقت. لا ننسَ أيضًا تأكيد د.رمضان شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، أن المقاومة لن تقبل تهدئة بدون ثمن، وأن كتائب القسام لم تمنع سرايا القدس من إطلاق الصواريخ في حال أخل العدو بشروط التهدئة. وكان السيد إسماعيل هنية قد تحدث بأن أي معركة قادمة ستكون تحت عنوان واحد موحد لكل فصائل المقاومة، وفي ذلك إشارة إلى وجود تنسيق عالي المستوى بين أجنحة المقاومة، وأنها ستضرب المحتل بقوة، وكان هذا سبب قول ترجمان: "إن أي حرب مقبلة ستضطرنا لإخلاء سكان غلاف غزة".
وبحسب تحليلات ومؤشرات، فإن المقاومة ستعمل في المرحلة المقبلة على الضغط على حكومة نتنياهو لأنه، وكما قال وزير دفاعه السابق إيهود باراك: "نتنياهو شخصية ضعيفة ولا يتخذ قرارات إلا تحت الضغط"، فعلى المقاومة أن تأخذ الصواب من أفواه الأعداء، وتمارس ضغطًا عسكريًا وإعلاميًا على "بيبي" حتى يخضع لشروطها


