الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:27 م

مقالات وآراء

الطريق لخلافة عباس غير معبدة

حجم الخط
د.عصام شاور

حرب طاحنة تعيشها أجواء المقاطعة في رام الله، حيث مقر الرئاسة الفلسطينية، في ظل التحضير لما بات يعرف بـ"اليوم التالي" لغياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الساحة، سواء بقرار سياسي من إسرائيل والإقليم، أو سبب صحي يتعلق بتجاوزه عامه الثمانين، ولذلك خرجت التسريبات بشأن استقالة وشيكة له، وثارت التكهنات حول الخليفة القادم له، وسط فتح بازار الترشيحات المزمعة للمواقع التي يشغلها الرجل. لم يعد سراً أن هناك استقطابات حادة تجري خلف الكواليس لإنضاج تركيبة تحظى بموافقة عباس، وتتماشى مع خطه التنظيمي، وهو ما يفسح المجال لمشاكل داخلية طفت على السطح، تعلقت بتجاذبات مناطقية ومنافسات شخصية بين قادة فتح، ولذلك تصل كثير من التقديرات إلى أن المؤتمر السابع لفتح قد ينجم عن زلزال تنظيمي سيؤدي الى ثوران بركان داخلي في الحركة، ولذلك تكرر تحديد مواعيد لانعقاده، ثم ما يلبث أن يؤجل بعد ذلك. وتتزايد التسريبات وتتكاثر عن اجتماعات مكثفة يعقدها عباس وطاقمه المصغر، للبت في ملف خلافته في المواقع الثلاث التي يترأسها: السلطة الفلسطينية، منظمة التحرير، رئاسة فتح، مقابل حرمانه لباقي السياسيين الفلسطينيين بالتطرق لهذا الملف الأخطر، ويتوعدهم بالإهمال والإبعاد عن مركز القيادة، حيث يضع بنفسه هو خطط خلافته. ليس خافياً على أحد أن الساحة الفلسطينية تعتبر مشاعاً لكثير من الدول العربية والعواصم الإقليمية، تتدخل فيها طولاً عرضاً، سراً وعلانية، وشمل ذلك في الآونة الأخيرة ملف خلافة عباس، حيث لم يعد البت النهائي في هذا الموضوع المصيري للفلسطينيين يحسم في غزة أو الضفة الغربية، بل في الدول المجاورة. مصر على سبيل المثال لا تخفي مع دولة الإمارات تفضيلها لدحلان على عباس ومرشحيه، ودحلان بات يعتبر القاهرة وأبو ظبي مقر إقامته الدائمة، يلتقي فيهما مع صناع القرار على أعلى المستويات، ويتشاور معهم في مسائل مصيرية تخص القضية الفلسطينية، وهو ما يستفز عباس وفريقه، حتى لو كظموا غيظهم من هذا السلوك العربي، مع العلم أن الخلافات بين هذه العواصم وعباس ليست سياسية البتة، بل تتعلق بأجندات شخصية، ومصالح ذاتية بين فريقي دحلان وعباس. إسرائيل من جهتها، ليس لديها مشكلة في أي مرشح يقود السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير أو حركة فتح، طالما أنه "يقدس" التنسيق الأمني" معها، كما اعتبره عباس ذات مرة، ويحافظ على أمنها، ويلتزم بنهج ملاحقة المقاومة المسلحة، ويطارد حماس لاستئصالها في الضفة الغربية، وهي في هذا السياق لا تفرق بين دحلان وعريقات والرجوب، وأي مرشح آخر قد تفرزه المنظومة الفلسطينية. الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، تبدوان ضالعتين بصورة مباشرة في التغيير القادم للسلطة الفلسطينية، على اعتبار أن أي تغير متوقع سيلقي بظلاله على مسيرة الصراع مع إسرائيل، وهذا الطرفان بالذات، واشنطن وبروكسل، حريصان كل الحرص على عدم وصول هذا الصراع إلى خط اللا-رجعة، سواء باتجاه اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، أو إعلان فشل مسيرة التسوية، ويبدو أن جميع المرشحين الفلسطينيين حتى الآن مع بقاء هذه التسوية، ولو أنها باتت فارغة من أي مضمون. أخيراً... من الملفت أن ما تعيشه الساحة الفلسطينية من حالة إنضاج على نار هادئة للرئيس القادم، يقتصر على حركة فتح فقط، دون إشراك باقي القوى الفلسطينية، لاسيما حماس، الشريك الأساسي لفتح في الساحة الفلسطينية، وكأن الأمر مسألة تنظيمية تخص فتح دون سواها من الفصائل والقوى، وهو ما يفسح المجال لعدم اعتراف تلك القوى بأي تغيير يطال رأس السلطة الفلسطينية دون إشراكها. مع العلم أن أي غياب متوقع لعباس عن المشهد الفلسطيني يفترض قانونياً أن يفسح المجال لرئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك لتسلم رئاسة السلطة، وهو أحد قيادات حماس البارزة في الضفة، لكن الرجل الذي قضى سنواته الأخيرة في السجون الإسرائيلية يبدو مغيباً من حسابات السلطة ورئيسها، وهو ما سيطعن بالضرورة في أي شرعية للرئيس القادم، رغم أن جميع الشرعيات الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي ليس لها معنى، وهو ما أثبتته التجربة خلال أكثر من 20 عاماً من عمر السلطة الفلسطينية.