الجمعة 26 ديسمبر 2025 الساعة 08:30 م

مقالات وآراء

السكيولوجيا السياسية لفتح ..... غياب للحصانة الفكرية وتنازلات لا حدود لها

حجم الخط

  دراسة تحليلية 

 

يثار في الآونة الأخيرة كثير من التصريحات والمواقف والمقالات المستهجنة والمستغبرة من إصرار الرئيس محمود عباس وفريقه المفاوض على استكمال العملية السلمية رغم انسداد افقها والمواقف الصهيونية المتصلبة والتي تقلل من شان تلك المفاوضات وقدرتها على انهاء الصراع وإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة , ناهيك عن السخرية الآخذة بالتصاعد حول عدد تلك اللقاءات والتي توصف بالعبثية والتي لم يكن لها اي مردود ايجابي على قضيتنا الفلسطينية .

 

لكن حتى نجلي الغموض وحالة عدم فهم المواقف لابد من فهم سياسي لحزب السلطة القابعة في رام الله – أي حركة فتح -  والتي أخذت على عاتقها ومنذ عقد التسعينات من القرن الماضي أن تعول على المسار التفاوضي كونه بحسب رأيها الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق وإقامة الدولة , فما المواقف السياسية من تصريحات وحراكات على كل الاصعدة الا انعكاس للبرنامج السياسي لحزب أو حركة معينة والذي بدوره ينطلق من ايدلوجيات فكرية أو من تجربة وممارسة سياسية غآئرة في القدم .

 

فحركة فتح توصف بأنها حركة لا تملك عقيدة سياسية أو فكر محدد بل تكتفي بالاطار العلماني العام وهذا انعكس على برامجها السياسية والتي كانت تعتمد على الممارسة كأساس لصياغتها معللة رفضها لتناول المحتوى النظري ' الايدلوجيا ' بأنه يسهم بإنشاء صراعات حزبية وانه سابق لأوانه , وأن تعبئة الحركة بهذا المحتوى سيأتي مع تعاظم الممارسة وفاعليتها , وهذا بطبيعة الحال كان السبب الجوهري الذي دفع حركة فتح  للواقعية التنازلية مع مرور الوقت .

 

وعند تناول مراحل تطور البرنامج الفتحاوي وفقا للمتغيرات الاقليمية والدولية والداخلية كونه يعتمد على الممارسة الواقعية السياسية نرى البون الشاسع بين تلك البرامج , ويمكن تلخيص تلك البرامج بحقب زمنية غلبت على كل منها أطار معين فسر الجهد السياسي الفتحاوي وآليات عمله , فطبيعة البرنامج السياسي لفتح في عقد الستينات من القرن الماضي وبداية السبعينات كان اطاره العام الكفاح والعنف الثوري واعتبرت فتح أن سبب وجودها يكمن بالكفاح المسلح كونه الطريق الوحيد لتحرير فلسطين , وتوجت تلك الرؤى السياسية وبفعل الانتكاسات العربية وحالة التعطش الشعبي في سيطرتها  على منظمة التحرير عام 69 وفرض برنامجها السياسي كونها تمتلك حصة الاسد في الدورة الخامسة للمجلس الوطني والذي جاء تحت عنوان رفض الحلول السلمية – وخاصة قراري 242 ,338-  وانتهاج الكفاح المسلح كطريق وحيد لإستعادة فلسطين , غير أن فتح وبعد حرب 73 وما اعقبها من حراك دبلوماسي في محاولة لايجاد صيغ توافقية وحلول سلمية بين الكيان الصهيوني والطرف العربي وبسبب الضغوط العربية على المنظمة وعدم الاعتراف بها , تبنت فتح برنامجا جديدا عرف ببرنامج النقاط العشر ' المرحلي ' في الدورة الحادية عشر للمجلس الوطني والذي عبر عن تغير جوهري في الموقف الفتحاوي وامكانية قبوله بانصاف الحلول مع الكيان المغتصب للأرض خاصة البند القائل باقامة الدولة على اي بقعة يتم تحرريها وبقي هذا البرنامج والذي لم يحظ الا باعتراف عربي بالمنظمة خاصة في قمة فاس عام 74 ولم يجد آذان صاغية دولية يراوح مكانه الا عام 88  أي اعلان الاستقلال في الدورة التاسعة عشر والذي أقر ما يعرف ' بمبادرة السلام ' والاعتراف بقررات مجلس الامن ,  وبعدها استثمرت حركة فتح الانتفاضة ناهيك عن عدة عوامل اهمها الحال الذي لا يرثى له للمنظمة وضياع الثقل الفلسطيني عربيا  للدخول في العملية التفاوضية لأول مرة عام 91 في مدريد وبعدها في اوسلو عام 93 والتي كانت نقطة فاصلة وبداية جديدة لبرنامج سياسي يختلف كل الاختلاف عن البرامج السابقة , ففتح اعترفت بالكيان الصهيوني وعدلت الميثاق الوطني الفلسطيني في الدورة الحادية والعشرين عام 96 وخاصة المادة 9 و25 والتي تنص على أن الكفاح المسلح هو الخيار الاستراتيجي الوحيد لاستعادة الارض وعدم الاعتراف باسرائيل .

 

ولكن الامر تجاوز ذلك مع استمرار العملية التفاوضية والتنعت والمماطلة الإسرائيلية والدعم الامريكي المتحيز و الامحدود لها في مقابل فساد فتح السياسي وتحولها لحركة يسيطر عليها حفنة من الاقطاعين وسماسرة السياسة تسعى لمصالح ذاتية  لتجد فتح نفسها مرغمة على دخول نفق تنازلات لا متناهي بفعل استمرار نهج الواقعية السياسية التنازلية و المتغيرات السياسية وحكم القوي لنصل إلى برنامج سياسي قائم على أساس خارطة الطريق يقبل بدولة فلسطينية على أقل مما نصت عليه قرارات الامم المتحدة والانكى اسقاط الكفاح المسلح من البرنامج السياسي لحكومة رام الله – والتي تأتمر وتعمل تحت غطاء فتح – وليت الامر سيقف إلى هذا الحد وليت الدولة ستبصر النور في القريب .

 

واليوم تستمر واقعية فتح السياسية وغياب المحتوى النظري والذي كان سيشكل حصانة ورافعة تحمي فتح من الغرق في مستنقع التنازلات والذي لاندري الى أين سيوصل القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني , ناهيك عن تلاشي الانتماء الوطني لدى الحركة وتحولها لمطية بيد جنرالات امريكية الملامح ومع بقاء السمة الاساسية والتي غلبت على فتح طوال العقود السابقة بالتفرد السياسي والغاء الآخرين والتمسك بتجريدات لم تعد تصلح مع التحولات الفاضحة في برامج الحركة ورؤاها السياسية , وبقي أن اسال إلى اين ستوصلنا حركة فتح ؟؟ ألم يحن الوقت لمراجعة دقيقة لشتى المواقف ؟؟ ألم يحن الوقت لإعادة بناء الحركة على أسس وطنية من جديد وبمحتوى نظري يشكل حصانة للحركة ؟؟؟ ألم يحن الوقت للتخلص من حفنة المأجورين والانتفاعيين في الحركة ؟؟؟ ألم يحن الوقت لصياغة رؤى جديدة أطارها العام الشراكة السياسية ومقاومة المحتل ؟؟؟؟ ألم يحن الوقت لكي تعود فتح بأمجاد الماضي ؟؟؟ وتبقى تلك الاسئلة معلقة على اعتاب المؤتمر السادس المنتظر للحركة والذي يبدو مستحيل الحدوث على أقل تقدير في الظروف الراهنة !!.