عهدنا هذا المحتل المجرم يستجلب نماذج القمع من كل بقاع الأرض، ويطبقها على شعبنا، فكما جمع كل شذاذ الأفاق على أرضنا بعد أن أوهمهم بأنها أرضهم التي منحها الله لهم لأنهم شعب الله المختار؛ يجمع شتى وسائل القتل والتدمير والإفساد حتى يواجه هذه المقاومة الباسلة الصنديدة العنيدة التي لن تستسلم أو تلين بسهولة.
لم أستغرب إقرار الاحتلال قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين، بل أرى أن إقراره جاء متأخرًا عامًا كاملًا؛ لأنني أعرف عقلية الاحتلال الإجرامية التي لا تتوانى عن تدمير الأسرى بشتى الوسائل، ولا تضيع وقتًا في استخدامها لقهر الأسرى وكسر شوكتهم، ولكني حين بحثت عن أول من استخدم هذا الأسلوب وجدت أن حليف الاحتلال الأقوى _وهم الأمريكان_ هم من استخدموه ضد المعتقلين العراقيين والعرب في سجن (غوانتنامو)، فشاهدنا وشاهد العالم عبر الفضائيات صور العشرات منهم يساقون بالزي "البرتقالي" الشهير إلى سجن الموت في كوبا، لتحاول المخابرات الأمريكية قهر إرادتهم، وكسر إضرابهم بإطعامهم بالقوة، الأمر الذي أدى في حينه إلى وفاة العشرات منهم خنقًا ونزفًا.
اليوم يعيد الاحتلال هذا المشهد، ويريد أن يسوق أسرانا _ولكن هذه المرة بالزي "البني" المعروف بانتمائه إلى (شاباص)، وهي إدارة السجون_ لتجربة هذا الأسلوب القاتل على من يخوض منهم إضرابًا مفتوحًا عن الطعام لتحصيل حقوقه المسروقة، أو إعادة حريته المسلوبة، لنقف على أعتاب مرحلة جديدة من الفتك بالأسرى بطريقة قانونية ومرخصة.
ومرة أخرى: أنا لا أستغرب سياسة الاحتلال؛ فهو يظن أن هذا الأسلوب سينقذه من حالة الإرباك والقلق والانكسار التي يضعه بها الأسير حين دخوله في إضراب عن الطعام، حتى لو كان يشكل خطرًا على حياة الأسير؛ فهو لا يعبأ كثيرًا لذلك، ولكني أستغرب من عشرات الأبواق التي أدانت هذا الأسلوب، وتباكت على استخدامه سابقًا، لم نسمع لها صوتًا أو جعجعة، بعد أن وافق الاحتلال على تطبيق هذا القانون على الأسرى، وأقره (الكنيست) بكل القراءات، حتى يكاد يكون موقف نقابة الأطباء لدى الاحتلال نفسه حتى اللحظة من أقوى المواقف ضد تطبيق واستخدام التغذية القسرية، إذ دعت الأطباء المنتمين لها إلى عدم الاستجابة لحكومة الاحتلال والمشاركة في تطبيق هذا الأسلوب على الأسرى الذي عدته جريمة.
وأين موقف السلطة الفلسطينية التي أضجرت رؤوسنا بالجنائية الدولية، والذهاب إلى المحاكم؟!، أيوجد شيء أكبر من قتل الإنسان الفلسطيني الأسير بهذا الأسلوب، لكي تتمعر وجوهنا غضبًا، ونتحرك بكل الاتجاهات من أجل إنقاذهم من الموت المحقق في زنازين الاحتلال؟!
بصفتي متابعًا لا أراهن على موقف المجتمع الدولي أو مؤسساته التي تدعي حقوق الإنسان، ولست متفائلًا بقيام السلطة بدورها تجاه الأسرى، لكن أراهن على شيء واحد فقط، وهو قوة وصمود الأسرى أنفسهم في وجه هذا الجبروت، وكما أفشلوا من قبل سياسة العزل الانفرادي، وسياسة الإهمال الطبي في تدمير إرادتهم سينجحون في إفشال التغذية القسرية، ولكن يبقى السؤال: كم سيرتقي من الأسرى شهداء خلال تلك المرحلة؟.


