الأربعاء 04 فبراير 2026 الساعة 03:25 م

مقالات وآراء

تعامل حماس مع تقرير أمنستي

حجم الخط
د.عدنان أبو عامر

منذ نهاية الحرب الإسرائيلية على غزة صيف 2014، استندت حماس في تثبيت اتهاماتها ضد الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين للتقارير الحقوقية، ومن أهمها تقرير منظمة "كسر الصمت"، وجاء عنوانه "كيف حاربنا في غزة".

 

لكن يوم 27 مايو شهد صدور تقرير حقوقي لمنظمة العفو الدولية "أمنستي"، "يتهم حماس بتنفيذ إعدامات ضد من تتهمهم بالتعاون مع (إسرائيل) في حرب غزة 2014، وقد جاءت مفاجأة حماس من تقرير "أمنستي" سيئة وصادمة، لأنه يقترب من مساواتها بـ(إسرائيل) التي ارتكبت جرائم حرب.

 

 

وبعد مرور عدة أيام على صدور تقرير أمنستي، فقد بات واضحاً أنه أحدث ضجة في حماس، لاسيما على الأصعدة القانونية والدبلوماسية، في ضوء الانتشار الواسع له، واعتماد أمنستي من قبل المحافل الدولية كمنظمة تتمتع بمصداقية كبيرة، مما قد يجعل من تقريرها هذا مقدمة لإدانة حماس أمام المحاكم الدولية، وهو ما تخشاه حماس، ولو لم تظهر ذلك علانية.

 

تقرير أمنستي يتناول قتل 23 فلسطينياً متهمين بالتجسس للمخابرات الإسرائيلية في غزة، ضمن حملة "خنق الرقاب"، في يوليو وأغسطس 2014، أثناء اندلاع حرب (إسرائيل) على غزة.

 

لم تتأخر حماس في الرد على أمنستي، فأصدرت بياناً عبّرت عن رفضها له، ووصفته بأنه تقرير مسيس، ويفتقر للمعايير المهنية، ويستند لادعاءات غير صحيحة، دون توضيحها، ودعت لاعتماد أساليب مهنية قبل توزيع الاتهامات بشكل ينافي الحقيقة، مؤكدة عدم مسؤوليتها عن أعمال القتل خلال حرب غزة 2014.

 

خطورة تقرير أمنستي بنظر أوساط حماس، أنه يوازي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، الجلاد والضحية، القاتل والقتيل، ويعتبر أن الحرب الإسرائيلية التي شنها الجيش الإسرائيلي على غزة في أغسطس 2014 تساوي في بشاعتها وقسوتها ما قامت به حماس ضد بعض العملاء.

 

جانب آخر يحتل حيزاً مهماً من نقاشات حماس الداخلية حول تقرير أمنستي يرتبط بتخوفها من استغلال (إسرائيل) له، وتقديمه وثيقة قانونية تدين الحركة أمام محكمة الجنايات الدولية، وما يسفر عن اتهام قادتها، الذين قد يصبحون مطلوبين للإنتربول الدولي بين ليلة وضحاها، وهو الكابوس الذي تتخوف منه حماس بصورة جدية.

 

حماس استبقت صدور تقرير أمنستي، وأعلنت أنها جاهزة للتعامل مع محكمة الجنايات الدولية، لكنها لن تسلّم أي شخص قبل مثول قادة الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة، لأن حماس تنطلق في مقاومتها للاحتلال بما تسنّه القوانين الدولية، ولن يكون بمقدور العالم أن يدين المقاومة، أو يجرمها.

 

وأكدت حماس أنها لا تخشى محكمة الجنايات الدولية، حتى لو تم تقديم تقرير لأمنستي كورقة إدانة لها في المحافل القضائية، وهي جاهزة لأي احتمال من هذا النوع، لأنها حركة مقاومة تدافع عن شعبها بشتى الطرق والوسائل التي كفلها القانون والشرائع الدولية، وأبوابها مفتوحة أمام أي جهة تريد أن تعرف حقيقة ما جرى خلال حرب غزة 2014.

 

أجواء الثقة التي تحاول حماس ترويجها عقب صدور تقرير أمنستي، تتزامن مع جهود الحركة للاطلاع على النص الأصلي الكامل لتقرير أمنستي، بهدف التحضير الجاد لمواجهة ما ورد فيه، لأنه قد يشكل سكيناً حقيقياً وحاداً جداً على رقبة الموقف الفلسطيني المتجه للمحكمة الجنائية، مما يتطلب من حماس الذهاب لخطوات عملية لتجنب الضرر المتوقع من التقرير.

 

وهناك توجه داخل حماس بتشكيل لجنة مهنية تضم ممثلي منظمات حقوقية لبحث ما أشار إليه تقرير أمنستي، والتدقيق به، وتحضير ملفات كاملة لمن تمَّ تنفيذ حكم الإعدام لهم خلال حرب غزة الأخيرة، خاصة المشتبه بتعاملهم مع المخابرات الإسرائيلية، وإعداد كيفية الرد، ومواجهة التقرير في المحافل الدولية.

 

حماس تعلم جيداً أن الإجراءات القضائية الدولية تستغرق وقتاً طويلاً للتحقيق فيما ورد في تقرير أمنستي ضدها، وبالتالي فإن إمكانية تقديم لوائح اتهام قانونية ضد قادة الحركة ليس أمرًا هيناً، لأنه يتطلب وثائق سرية تؤكد مسئوليتهم المباشرة عن تلك الإعدامات، وهي غير متوفرة في محتوى التقرير.

 

ولأن خطورة تقرير أمنستي أنه يبعد حماس خطوة إضافية نحو الاندماج في المجتمع الدولي، فإن ذلك يتطلب منها تشكيل "خلايا نحل" وطواقم قانونية وسياسية لتفنيد ما ورد في التقرير ضدها، وإثبات أنها حركة مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا ترتكب جرائم حرب.