ما ان اذيع خبر ضبط عدد كبير من الجوالات مهربة في سيارة رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس المجلس التشريعي السابق القيادي البارز في حركة فتح المستشار الخاص للرئيس الحالي محمود عباس المناضل روحي فتوح أبو وسام حتى قفزت الى الأذهان مجموعة من الأحداث والمقارنات المهمة التي تظهر تباينا كبيرا لسلوك وتصرفات القادة المفترض فيهم القدوة وخدمة الشعب الذي اختارهم ليخففوا عنه من الام الفقر وجوع الحصار.
من أبرز التحديات التي واجهت حماس مع بداية تسلمها مقاليد الحكم صرف رواتب الموظفين، بل إن دحلان قال في حديث إعلامي مستهزئا .. على حماس أن تدفع رواتب الموظفين ل 4 سنوات قادمة ...فكان البحث عن أية وسيلة ممكنة لدفع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين أو ابتكار طرق جديدة ، وصاحب ذلك حملة إعلامية ضخمة تظهر عجز حماس وحكومتها على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية وعلى رأسها الرواتب ، فكانت أسمى ظاهرة لم تعرف من قبل ولم يلمسها أي شعب من الشعوب، حيث عمل الوزراء على إدخال رواتب الموظفين في حقائبهم الخاصة وحملها على أكتافهم مسافات طويلة متجاوزين محنة القال والقيل وملتفين على عادات وتقاليد الشخصيات المرموقة، وبدلا من أن يرابطوا على مكاتبهم الفاخرة ويستقلوا سيارتهم الفارهة اختاروا أن يجوبوا البلاد بحثا عن الأموال، ورغم ذلك لم يسلموا من الغمز واللمز والطعن والاتهام بالتهريب ؟؟ تهريب الأموال إلى الداخل !!! وليس إخراجها !!
وكان السؤال ... أي تهريب هذا الذي يجري على مرأى ومسمع الجميع !! وأي تهريب هذا الذي يخفف من وطأة الحصار ودفع مستحقات الموظفين بما أمكن .. لقد انبرت الأقلام يومها تتهم قادة حماس بالعجز والاحتكار والتهريب ورأيناها اليوم تصمت عند ما جرى مع الرئيس الفلسطيني السابق فتوح الذي اعتبر إدخاله للجوالات ... هو التهريب الحقيقي والرغبة في جني الأموال باستغلال البطاقات الخاصة والتي تعطي لحملتها مميزات لا تمنح لغيره .
لقد أثارت هذه القصة ذهول المواطنين قبل المسئولين وبدأت توصف بالفضيحة والعمل اللاأخلاقي وكان مرد هذه الضجة أنه إذا كان بإمكان المسئولين إدخال الموبايلات والتي تقدر بعشرات الآلاف من الدولارات _ وأكثر_ فإن بإمكانهم إدخال ما هو أكثر حاجة وإلحاحا للمواطنين، وإذا كانت البطاقات الخاصة الممنوحة لمن يسموا بالشخصيات الكبيرة تسمح بإدخال هذه الأجهزة فالأجدر إدخال الأدوية التي نضبت من المخازن و مستودعات المستشفيات وإرسالها إلى المحتاجين في غزة بعد أن أطبق الحصار على المواطنين و أحال حياة الأطفال إلى جحيم، ألم يكن بمقدور كل صاحب بطاقة خاصة أن يساهم بما يستطيع في رفع الأذى عن أهله بدلا من رفع رصيده المالي في البنوك وجني الأرباح السريعة ، ألم يعلم أولئك أن مرضى غزة يدفعون ثمن الأدوية أضعافا مضاعفة عن سعرها الحقيقي بعد إدخالها بطرق مبتكرة وجديدة تكلفهم مصاريف أخرى لإدخالها، الم يعلم فتوح ابن القطاع والمخيم أن بعض الأدوية حجمها صغير جدا، بل وأصغر من حجم صناديق الجوالات التي ضبطت وان كان يخشى على نفسه الاتهام بإدخال الدواء فإن ذلك خير له ألف مرة من القول انه أدخل 3000 جوال ولو افترضنا خشيته من إثارة ذلك إعلاميا فهو الرصيد الكبير له بين أهله ولحركته.
لقد فتحت هذه الحادثة الباب مرة ثانية على سلسلة الفضائح التي قادها مسئولو السلطة سابقا وعلى رأسها القضية التي هزت فلسطين وأربكت القادة السياسيين فيها، والمتمثلة بتهريب الاسمنت المصري إلى الكيان الغاصب لبناء الجدار العنصري وكان بطلا هذه الفضيحة والجريمة جميل الطريفي وزير الشؤون المدنية السابق والطريفي (- لمن لا يعرفه - هو الذي قام بتسفير كلب سهى الطويل زوجة الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات من غزة إلى باريس عبر مطار بن غوريون في وقت لم تكن تسمح فيه إسرائيل للفلسطينيين بعبور الحواجز .... ) ورئيس الوزراء السابق مسئول طاقم المفاوضات الفلسطيني الحالي ( والذي اغتالت القوات الخاصة مرافقه قبل أشهر ) وقد دلت التحقيقات التي قامت بها لجنة المراقبة بالمجلس التشريعي يومها أن الأسمنت المصري مرّ إلى الاحتلال من خلال أذونات استيراد حكومية فلسطينية، تلك الأذونات التي وقعها وزير الاقتصاد الوطني ماهر المصري لشركات مملوكة لشقيق وزير الشؤون المدنية جميل الطريفي ومتنفذين آخرين، إضافة إلى فضائح التنسيق الأمني وعلى مستويات متقدمة وتسليم بعض المطلوبين والمشاركة في اغتيال وتصفية كبار القادة والمجاهدين و بعلم من قادة الأجهزة الأمنية السابقة، وليس انتهاء بفضيحة الاستهزاء على القران الكريم والأحاديث النبوية على لسان دحلان الذي سمعت ضحكاته وأحاديثه التي تخدش الحياء أثناء نقاش مع الشهيد أبو يوسف القوقا حول الشهداء وما أعد الله لهم، وقد نهى الشهيد أبو يوسف دحلان عن التندر والاستهزاء بالحور العين و بعض الآيات القرآنية ، مرورا بتكليف الطيب عبد الرحيم انتحاريا لتفجير نفسه في مسجد لاغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية وقتل المصلين، ولتستكمل الفضائح بصورة جديدة تتعلق بتهريب أجهزة خليوية ستشكل عارا جديدا لقادة السلطة في رام الله الذين لن يستطيعوا أن يغسلوا هذا الفضيحة بمساحيق من مقالات وكتابات وتبريرات لا تنطلي على شعب فهم الدرس جيدا .
وحين يفتش الفلسطينيون في ذاكرة الفساد التي أزكمت الأنوف خلال سنوات ماضية حيث تحولت حياة القادة المتواضعة ليصبحوا الشريحة الأكثر ثراء وقد عرفت البنوك العالمية والمحلية أرقم حساباتهم ووجوه مرافقيهم ، تستوقفنا وثائق وزارة المالية في السلطة الفلسطينية، والتي وافقت على شراء سيارة مصفحة من نوع B M W لرئيس المجلس التشريعي السابق روحي فتوح !!! ، بقيمة مائتين وخمسة ألف يورو أي بما يعادل 341 ألف دولار أمريكي، في الوقت الذي حذرت فيه الوزارة يومها من عواقب أزمة مالية خطيرة تهدد السلطة الفلسطينية.، والغريب أن الإعلان عن هذه السيارة الجديدة التي تليق بفتوح جاء بعد أن سلم سيارته السابقة من نوع مرسيدس موديل 1997 للرئيس الجديد ( المختطف ) للمجلس التشريعي الدكتور عزيز الدويك ، وقد مثلت هذه الحادثة خرقا لمفاهيم الديمقراطية المزعومة، حيث أن فتوح يومها لم يعد رئيسا للمجلس التشريعي، وليس بحاجة إلى مثل هذه السيارة التي كان من المفترض أن تعود أموالها إلى الخزانة العامة.
بعد أن فاحت رائحة الفضيحة عبر وسائل الإعلام كان لابد من السيد الرئيس السابق روحي فتوح من بيان لموقفه مما حدث فغسل يديه من هذا العار وبحث عن كبش فداء ينوب عنه أمام الإعلام فكان السائق الشخصي ( الغلبان ) الذي اتهم بأنه استغل مهنته بعمل لا أخلاقي وبأنه خان الأمانة !! ولعلنا نتساءل هنا .. إذا كان السائق الخاص يمتلك هذه المبالغ الطائلة للتجارة بالجوالات فكم يا ترى يمتلك صاحب السيارة وبطاقة الvib ، وإذا كان السائق المتهم الحقيقي بهذه الفضيحة فلنا أن نتساءل كيف يتم اختيار المرافقين وتحت أية مواصفات ولماذا لا تؤخذ بعين الاعتبار كرامة الفلسطينيين وسمعة جهادهم الذي لطخته تصرفات أولئك المراهقين الباحثين عن المجد والثراء الفاحش بأقصر الطرق ، والغريب أن التبريرات ورفع الشبه عن القادة واتهام الضعفاء كان حاضرا وبسرعة البرق ، فكانت الأقلام المدافعة عن شخصه الكريم جاهزة للذود عنه وتلفيق التهم لغيره قبل أن تكشف التحقيقات نتائجها وهو ما طلبه فتوح بنفسه ولم ينتظره باسم أبو سمية، الذي وصف فخامة الرئيس المفدى!! في مقال كتب بعد ساعة من الحدث انه الخلوق الإنساني الوطني الطاهر النظيف المناضل .. وأنى لمثل من امتلك هذه الصفات أن يقوم بهذه الفعلة الخسيسة _ حاشا لله _ بل زاد الكاتب قليلا في تجليات بارعة أن الاتهام يحمل طابعا سياسيا يقصد منه المساس بكرامة الرجل ؟؟
وإذا كنا هنا في معرض الحديث عن المرافقين فقطعا يستوقفنا المرافق الشخصي لرئيس الوزراء الشهيد عبد الرحمن نصار الذي حمى بجسده الأستاذ إسماعيل هنية بل وجلب المدح والاحترام والتقدير له ولعائلته الكريمة ولحركته التي ينتمي إليها دون أن يستغل مكانه للابتزاز والرشوة والبحث عن الأموال، وهنا التباين بين الرجال وأشباه الرجال .
أخيرا .. أيا كانت الأسباب والمبررات التي دعت الإعلام الصهيوني لكشف هذا الأمر فإن ذلك لا يعفي فتوح وغيره من مسائلتهم عن الأشخاص الذين يستعملونهم ويقومون على خدمتهم وحراستهم وتمثيلهم ، بل ولا يعني ذلك عدم مسائلة فتوح عن هذه التصرفات التي تحرج الشعب الفلسطيني الذي مل من هذه التصرفات الصبيانية.
