مبادرات كثيرة أطلقتها جهات متعددة عقب أحداث يوليو حزيران الماضي وكلها كانت تدعو إلى استئناف الحوار الوطني الفلسطيني في سبيل إنهاء حالة الانقسام الداخلي التي نتجت بفعل تيار على الساحة الداخلية تقاطعت مصالحه مع مصالح الاحتلال، إلا أن المبادرة اليمنية تمتعت بزخم إعلامي ولاقت استجابة من قبل حركتي فتح وحماس.
استجابة الحركتين للجلوس على طاولة الحوار الوطني نابعة من كون الأمور في الساحة الفلسطينية باتت لا تحتمل أكثر من ذلك، فالتصعيد الصهيوني ضد كل ما هو فلسطيني والفعل ورد الفعل من قبل القطبين الرئيسيين في الساحة الفلسطينية باتت تؤرق الرأي العام المحلي والإسلامي لهذه الأحداث التي لم يكن يلوح في الأفق أي بادرة أمل لحلها، إلى أن خرجت المبادرة اليمنية ورأت النور.
المواطن الفلسطيني وجد راحة في نفسه بعد مشاهدته وفدي حماس ومنظمة التحرير يتبادلون المصافحات بينهم في مشهد لم يراه منذ عدة شهور خلت، والأمل لدى الجميع أن تكون هذه المصافحات سببا في عودة المياه إلى مجاريها.
وعلى الرغم من النقاط الايجابية الكثيرة والمتعددة التي تمخضت عن موافقة طرفي الساحة الفلسطينية على المشاركة في المباحثات المتعلقة بالمبادرة اليمنية أو حتى مجرد الموافقة عليها، إلا أن هناك أمورا نغصت الأجواء وكادت أن تعيد حالة الإحباط للوضع الداخلي والاستمرار في نفق مظلم من الانقسام لا تبدو له نهاية قريبة في ظل مؤامرة دولية كبيرة بحاجة لجهد الجميع من أجل تحطيمها على صخرة الدماء الفلسطينية النازفة.
إن مثل هذه المباحثات وحتى تنجح ينبغي أن تكون بعيدة عن وسائل الإعلام، فما يحدث داخل قاعات الحوارات ليس من الضرورة بمكان أن يعلمه المواطن العادي الذي هو ليس بحاجة إلى خصوصيات مملة وإنما إلى إجمال لما جرى، فوضعنا الداخلي لا يحتمل مشاهدة نزاع بين هذا الطرف وذاك، ولا يدرك معنى أن يرد هذا الطرف بالرفض على النقطة الفلانية أو يطلب الطرف الآخر العودة إلى قيادته لدراسة الأمر، فهذه الأمور بحاجة إلى البعد عن أتون وسائل الإعلام التي تبدأ بتحليل الأمور كما يحلو لها وبالتالي يفسح المجال للرد والردح المتبادل.
إن المؤتمر الذي عقده وفد' منظمة التحرير' في العاصمة اليمنية' صنعاء' عقب الجولة الأولى من المباحثات مع القيادة اليمنية احتمل الكثير من المغالطات التي كان ينبغي ألا تكون في أجواء ترقب لإعلان اتفاق، حبذا لو تم تأجيله، أو الخروج بتطمينات للمواطن الفلسطيني الذي يتعطش للاتفاق، فمتى سوف ندرك يا فتح ويا فصائل المنظمة أن حماس هي الفصيل الأكبر في الساحة الفلسطينية بانتخابات شهدت جميع الأطراف في العالم بنزاهتها؟ ولماذا نستمر بإعادة ترديد الاسطوانة المشروعة' الانقلاب'؟ هل الأغلبية انقلبت على السلطة؟ أليست هي الفصيل الأكبر في السلطة؟ إذا.. هل ينقلب الفصيل الأكبر على نفسه أيها العقلاء؟ متى تدركون هذه الحقيقة.. أم أنكم لا تتصورون كيف تغادرون هذا الكرسي اللعين؟.
عدا التصريحات المختلفة التي رافقت حوارات اليمن، فإن هناك العديد من المعيقات التي وضعت لتعمل على إفشال كافة أشكال الحوار والاتفاق بين مختلف الأطراف الفلسطينية، والتي كان منها التالي:
1- الرئيس محمود عباس لم يرغب في الحوار نتيجة الضغوط التي تمارس عليه من الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف أخرى، كون الحوار سيتمخض عنه تشكيل حكومة وحدة وطنية وبالتالي إطالة عمر حماس في الحكم، ولذلك قام بإرسال وفد يمثل' منظمة التحرير الفلسطينية' للحوار مع حماس؛ فهو أراد بهذا الأمر حشر حماس في الزاوية' وضرب عصفورين بحجر واحدة'، لقد أراد أن يظهر أن مشكلة حماس ليست مع فتح وحدها وإنما مع كافة الفصائل الفلسطينية، ولذلك فقد توقع أن ترفض حماس وفد المنظمة وربما تغادر اليمن كونها لا تعترف بالمنظمة على وضعها الحالي، وبالتالي سيظهر على الإعلام أن حماس هي التي لا تريد حوار، إلا أن حماس تعاملت بحنكة سياسية كبيرة وأعلنت أن حوارها مع فتح وحدها وأبدت استعدادها للحوار مع جميع الفصائل على الساحة الفلسطينية بعيدا عن المنظمة وهو الذي أحرج الرئيس عباس واضطره إلى الطلب بعودة وفده لرام الله ثم التراجع بعد' الفضيحة' في الإعلام.
2- الشيء الثاني المطروح في هذا السياق وهو الذي سبق سفر وفد المنظمة إلى اليمن حينما أعلنت الولايات المتحدة تقديم مبلغ 150 مليون دولار للسلطة في رام الله، وخلال الحوار أعلن تقديم فرنسا مبلغ 500 مليون أخرى، لكن التساؤل المشروع لماذا الآن تقدم هذه الأموال؟ لماذا لم تقدم في أوقات سابقة؟، وما هو الثمن المفترض أن تقدمه السلطة مقابلها؟، والإجابة متروكة للجميع.
أخيرا، فالمبادرة اليمنية خطوة على الطريق الصحيح إذا كانت هناك نوايا طيبة من مختلف الأطراف للخروج من المأزق الحالي، وينبغي أن يدرك القادة أن المواطن الفلسطيني ينتظر النتائج، ولن يقبل أن تضاف نكسة جديدة في سجل آماله التي اشتعلت من جديد بعد أن خمدت لشهور خلت.

