بخلاف الانطباع الأولي، فإن نتائج الانتخابات، التي ستفضي إلى ولادة حكومة يمين متطرف ضيقة ستشكل تحدياً كبيراً للكيان الصهيوني وستقلص هامش المناورة المتاح أمام قيادته. فقد تبين حتى لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو مرارة الفوز الذي حققه، بعدما تبين أن هناك مؤشرات على أن أوروبا لا يمكنها التسليم ببرنامج عمل الحكومة الجديدة، سيما على صعيد العلاقة مع الشعب الفلسطيني. ويسود اعتقاد في تل أبيب أن الأوروبيين يتجهون لمعاقبة إسرائيل على تنصل نتنياهو من التزامه بحل الدولتين، وعلى الانتهاكات التي تقوم بها حكومته ضد حقوق الإنسان الفلسطيني. وترى النخب الصهيونية ان تراجع نتنياهو الصريح عما جاء في خطاب «بارإيلان» والتزامه خلال الحملة الانتخابية بعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية سيمنح الأوروبيين الأدوات لمواجهته وإيذاء إسرائيل.
وتجزم هذه النخب بأن تشكيل حكومة يمينية ضيقة برئاسة نتنياهو يمثل «وصفة» لفرض عزلة دولية مكلفة على إسرائيل. وحسب تقديرات صادرة عن دوائر في وزارتي الخارجية والاقتصاد في إسرائيل فإن أوروبا لا يمكنها أن تتعايش مع حكومة اليمين الضيقة التي يوشك نتنياهو على تشكيلها، بسبب مواقف هذه الحكومة التي ستضفي مسوغات على تعاطي أوروبي أكثر حزماً. ولا خلاف في تل أبيب على أن الأوروبيين لن يترددوا في معاقبة إسرائيل في حال أصرت الحكومة القادمة على تواصل الاستيطان ورفض قبول الدولة الفلسطينية.
ومما يدلل على أن هناك ما ييرر المخاوف الإسرائيلية، حقيقة أن الإتحاد الأوروبي يعكف على إصدار عقوبات ضد إسرائيل بسبب التجاوزات التي ترتكبها ضد حقوق الإنسان الفلسطيني، سيما في مدينة القدس ومحيطها. فقد أعدت دائرة مهنية داخل الإتحاد الأوروبي وثيقة حول الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون في القدس، حيث تحمل الوثيقة بشكل واضح المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية المسؤولية عن عدم التحرك لوقف هذه الاعتداءات. ليس هذا فحسب، بل أن الاتحاد الأوروبي أعد قائمة بأسماء شخصيات وقيادات يمينية يهودية متطرفة مسؤولة عن شن الاعتداءات التي يتعرض لها المقدسيون أو تحرض عليها. وحسب تقديرات إسرائيلية، فإن أبرز النتائج المتوقعة للتحول المرتقب في موقف أوروبا من إسرائيل سيتمثل في تراجع مستويات الاستثمار الخارجي وتهاوي مستويات التعامل في البورصة الإسرائيلية. وهناك ما يدلل على أن الاتحاد الأوروبي سيحرص على وضع المزيد من العوائق البيروقراطية لتقليص قدرة المصدرين الإسرائيليين على تسويق منتوجاتهم في أوروبا.
وحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن الكيان الصهيوني سيخسر مليارات الدولارات جراء أي إجراءات تقدم عليها أوروبا ضد التصدير الإسرائيلي، حيث ان ثلث التصدير الإسرائيلي يتجه لأوروبا.
إن أكثر ما يفاقم التأثيرات السلبية لنتائج الانتخابات على العلاقة مع اوروبا حقيقة أن هناك أزمة ثقة عميقة بين نتنياهو وقادة أوروبا. وكما تقول الصحافية الصهيونية إليئت شاحر فإن كلاً من مستشارة ألمانيا إنجيلا ميركيل ورئيس فرنسا فرانسوا هولاند ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون لا يصدقون كلمة واحدة تصدر عن نتيناهو. في الوقت ذاته، فإن الصهاينة يرون أن هناك ما يبعث على الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية ستمنح أوروبا الضوء الأخضر لمحاصرة إسرائيل في المحافل الدولية. وتخشى محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب أن تلجأ إدارة أوباما لتشجيع فرنسا على تقديم مبادرتها المتمثلة بتمرير مشروع قرار في مجلس الأمن ينص على ضرورة الاعتراف بإقامة دولة فلسطينية في غضون عامين.
ولا خلاف على أن مثل هذا التحول يحمل في طياته تحولاً كبيراً، حيث انها ستكون المرة الأولى في تاريخ الصراع التي يحدد مجلس الأمن النتيجة الناجزة لحل الصراع. إن إدراك النخب الصهيونية حجم التحديات التي تنتظر الحكومة الجديدة دفعها للدعوة لتشكيل حكومة «وحدة وطنية» عبر ضم حزب العمل. إن حزب العمل واليسار الصهيوني بشكل عام يجيد دور مقاول الأعمال القذرة، حيث ان النخب اليسارية تستغل قبولها في الغرب من أجل تمرير سياسات حكومات اليمين التي تشارك فيها. فهذا ما فعله شمعون بيريس لصالح أرئيل شارون، وهذا ما فعلته تسيفي ليفني لصالح نتنياهو.
في تل أبيب يعون أن تدهور مكانة إسرائيل الدولية المتوقع في أعقاب تشكيل حكومة اليمين الضيقة القادمة يمثل «خطراً وجودياً»، يستدعي الإقدام على خطوة تفرمل الاندفاع نحو الهاوية.
وقد شبه المستشار الإستراتيجي يعكوف أدري أوضاع إسرائيل حالياً بأنها تشبه أوضاعها قبل اندلاع حرب 1967، مشدداً على أن الحل يكمن في تشكيل حكومة وحدة وطنية.
إن ما يثير المخاوف حقاً أن يتطوع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لرمي حبل النجاة لنتنياهو، حيث ان هناك ما يثير المخاوف في هذا الشأن. فقرار نتنياهو المفاجئ الإفراج عن عوائد الضرائب يثير الشكوك بأنه قد يكون جاء في إطار صفقة شاملة.
على كل.. واقع إسرائيل بالغ الصعوبة، وبالإمكان إيذاء الكيان الصهيوني في المحافل الدولية، سيما بعد تشكيل حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب، لكن تحقيق نتائج على هذا الصعيد يتوقف على جدية موقف السلطة الفلسطينية وظهيرها العربي.

