الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 03:31 م

مقالات وآراء

أضعف الإيمان!

حجم الخط

قد نتفهم أن يتلهى سياسيو فلسطين وقادتها باتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وقد نجد لهم عذراً في محادثاتهم ولقاءاتهم الماراثونية للتباحث في الوزارات والوزراء، وقد نفهم انشغالهم المطلق بتفسير وتحليل الكلمات من نوعية 'احترام' و'التزام'، ومن الممكن أن نستوعب أن خروج حكومة الوحدة الوطنية أمر مفصلي هام في تاريخنا المعاصر، لكن ما لا يمكن أن يستوعبه عقل أن يذبح الشعب الفلسطيني ولا يستوجب ذلك وقفة منهم جادة حاسمة في وجه آلة الإجرام الحاقدة التي تعيث خراباً وتدميراً بكل ما تطاله، وفي وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من العالم الذي يضغط على شعبنا صباح مساء ليركع ويخضع.

 

منذ اللحظات الأولى لتوقيع اتفاق مكة والاحتلال يصعّد من وتيرة هجماته على شعبنا الصامد في محاولة يائسة لضرب معنوياته والتأثير على قراره بالمقاومة المشروعة العادلة، وبلغت ذروة الاعتداءات قبل ايام باقتحام مدينة نابلس في حملة همجية بربرية، لم يكن نصيبها من القيادة الفلسطينية إلا التنديد والاستنكار.

 

ضعف الرد الفلسطيني، أو لنقل انعدامه، خاصة مع وجود طرف فلسطيني يصر على اللقاء مع المحتل دون شروط، بل يزيد على ذلك مطالبته بتثبيت التهدئة الهشة في جزء من فلسطين ليذبح جزءا آخر منها، وطرف آخر يعتبر أن اي عدوان هو لإجهاض اتفاق مكة، اللاموقف هذا والتمسك بحبائل الوهم شجّع المحتل على التمادي أكثر وأكثر، وأرسل رسالة واهنة لكنها واضحة مفادها: لسنا بصدد اتخاذ أي خطوات من اي نوع سياسية أو شعبية أو جماهيرية أو غيرها، لأن التمسك باتفاق مكة هو الرد الوحيد لنا، ومولد حكومة جديدة تحت أي مسمى ودون تحفظات - حتى ولو كان من ضمن وزرائها افسد الفاسدين أو من تلطخت اياديهم بدماء شعبنا- هو المواجهة الوحيدة لدينا!

 

قبل أن يسيء البعض الظن، فلست بحال ضد اتفاق الشعب الفلسطيني وحقن دمائه، ولا ضد حكومة الوحدة الوطنية، لكني وبصراحة تامة ضد أن يتحول الاتفاق والحكومة لشماعة نعلق عليها ضعفنا وعجزنا، لتصبح عذرنا الدائم وتبريرنا لانتصارنا المعنوي على المحتل، وضد أن تطغى أخبار الاتفاق والحكومة على أخبار الحرب الحقيقية التي يشنها المحتل الغاصب على شعب فلسطين، في ظل إما تعتيم إعلامي أو تركيز غير مبرر ولا مفهوم على زيارات الزعماء ومباحثات الأخوة ولقاءات وتصريحات القادة.

 

معالم الحرب الحقيقية ظهرت واضحة جلية لتشمل كل شيء وبكل الوسائل مما استدعى صدور بيانات استغاثة من نابلس لم تلق آذانا صاغية بعد، وهذه بعض الجرائم التي ارتكبت بحق أبناء شعبنا وقضيته وحقوقه خلال ال 24 ساعة الماضية، دون أن تجد لها مكاناً حقيقياً لا اعلامياً ولا سياسياً ولا شعبياً، والقادم أعظم.

 

إعدام ثلاثة من مقاتلي 'سرايا القدس' ، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في مدينة جنين بدم بارد وهم: أشرف السعدي، أحد قادة السرايا في جنين، وبلال أبو ناعسة، وعلاء بريكة .

 

إعادة اجتياح مدينة نابلس وللمرة الثانية خلال يومين بأكثر من 140 آلية وعربة عسكرية مدعومة بالجرافات العسكرية ومن جميع المحاور وسط تحليق طائرات الاستطلاع، وتقسيم المدينة ومحاصرة مستشفياتها الثلاثة رفيديا والوطني والاتحاد.

 

في عمل جبان: إختطاف عدد من أقارب من تسميهم قوات الإحتلال مطلوبين للضغط عليهم لتسليم أنفسهم منهم والدة أمين لبادة، وشقيقات وأشقاء مهدي أبو غزالة.

اقتحام موجات البث للمحطات المحلية وبث إعلانات خاصة بجيش الإحتلال.

اجبار فتاة فلسطينية في العشرينات من عمرها تحت تهديد السلاح على التجرد من ملابسها قبل اعتقالها ومصادرة ما بحوزتها من حقائب وأمتعة وذلك على حاجز الكونتينر شمال شرق بيت لحم .

 

الإعلان عن مخطط لبناء حى إستيطاني جديد في القدس يضم 11 ألف وحدة سكنية بالقرب من حاجز قلنديا، هو الأكبر في منطقة القدس منذ عام 1967 !

 

إختطاف النائب حاتم قفيشة من كتلة 'التغيير والإصلاح' في الخليل.

إصدار أمر بإغلاق فندق 'الكومدور' في حي الطور في القدس الشرقية، من المفوّض العام للشرطة موشي كرادي، وذلك لمنع عقد المؤتمر الصحفي الذي كان مقرراً عقده، من قبل شخصيات دينية، إسلامية ومسيحية، يتم خلاله توقيع وثيقة 'العهد والميثاق' لحفظ القدس والأقصى وسائر المقدسات الإسلامية والمسيحية.

 

تسريب أنباء عن خطة لاجتياح قطاع غزة برياً بحجة الأنفاق.

 رغم إعلان الحرب وأدلته السابقة هناك من سيطرح سؤال مشروع: ماذا يمكن لنا ان نفعل؟ لكن ايضاً إجابته مشروعة لمن أراد أن يقف موقفا شجاعا حاسما، ومن هذا المنطلق وحتى نخرج من باب التشخيص والتحليل نقترح ونطالب بما يلي:

 

* الإعلان الفوري عن وقف المباحثات والمفاوضات مع أعضاء اللجنة الرباعية وكل وفود العالم حتى يتوقف العدوان وبشكل فوري غير مشروط.

* تحديد شروط فلسطينية واضحة لا لبس فيها قبل لقاء أي مبعوث من أهمها رفع الحصار الجائر وإطلاق سراح الأسرى والإفراج عن الأموال المحتجزة وتحرير المعابر

تجميد كل مؤسسات السلطة الفلسطينية والاعلان عن إضراب شامل ومفتوح يستثنى منه قطاعي الصحة والتعليم .

* النزول إلى الشوارع والساحات والميادين ومواجهة المحتل جماهيرياً وشعبياً في كل نقاط التماس .

*  التركيز إعلامياً وفي جميع الوسائل على ممارسات الإحتلال وجرائمه

  

هل هذه الخطوات أمر واقعي يمكن تطبيقه أم خطوات مثالية حالمة؟، بالتأكيد هي قابلة للتطبيق لسبب بسيط أن ما تحتاجه هو قرار فلسطيني بحت، ولنتذكر ان السلطة والحكومة وغيرها هي احتياجات دولية ايضاً لتهدئة الأوضاع، وإذا كان العالم يفرض على الشعب الفلسطيني حصاراً جائرا، مطالباً إياه بالرضوخ للمحتل، فعلى ذات العالم أن يتحمل مسؤولياته كاملة في وقف العدوان، أو ليتحمل عواقب انتفاضة فلسطينية ثالثة باتت أقرب من أي وقت مضى.

 

نعم تعب الشعب الفلسطيني وأنهكه الحصار والمقاطعة، ونال منه الجوع والفقر، لكن هل يعتقد اي منا أن المحتل سيتركنا وشأننا بحكومة وحدة وطنية أو بدونها؟ وهل إدارة شؤوننا اليومية يعني غض الطرف عن ممارسات المحتل؟ وبالتأكيد لسنا بيائسين أو عاجزين حتى عن قول كلمة 'لا'، كما يدعي حافظ البرغوثي في مقاله المعنون 'العجز' حين قال: أن الفلسطينيين عاجزون عن إدارة شؤونهم، وكأنهم قصّر بحاجة إلى رعاية ولي أمر، مضيفا أن 'العجز سمة المرحلة الفلسطينية الراهنة، عجز القيادات وعجز الكوادر وعجز المقاومة وتسرب هذا العجز إلى المواطن الذي بدا يائسا مما يحدث'.

 

على قيادات الشعب الفلسطيني تقع مسؤولية حماية الشعب واتخاذ ما يلزم للدفاع عنه، وفي ظل ميزان قوى غير عادل وظالم علينا أن نتسلح بكل ما لدينا وليس أقله رفض ما يجري واعلان العصيان على العالم برمته، لأننا نملك أقوى سلاح على الإطلاق وهو قرارانا وإرادتنا، إلا إذا ارتضينا - كما ارتضى البعض- أن نتحول لوكلاء للمحتل، أو لشعب همه الوحيد بطنه، ليأكل ويشرب وينام كالأنعام أو أضل سبيلا... معاذ الله.

 

الإحتلال قائم وموجود على كل حبة تراب من فلسطيننا الحبيبة وباعتراف حتى من اعترف بالمحتل وشرعيته، ليتحمل الاحتلال نتائج احتلاله بدلاً من تجميله بأوهام السلطة والسيادة، وليتحمل العالم معه تبعات ظلمه ودعمه للجلاد على حساب الضحية، ولنقف ولو لمرة تحت راية واحدة وبصوت واحد وباتفاق واحد - وليكن اتفاق مكة- لنمارس حقنا المشروع المكفول بكل شرائع السماء والأرض، لنبني مجتمعنا وحكومتنا ومؤسساتنا، لكن في نفس الوقت لنواجه الاحتلال البغيض.

 
 هذا أضعف الإيمان!