في مجتمع مسلم يجب أن تستند كل السلوكيات والإجراءات والقوانين إلى ثقافة هذا المجتمع، المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف. الإسلام منهج حياة، وهو في غنى عن الاقتباس من المناهج الأخرى، لا سيما تلك التي تتعارض بالكلية مع مبادئ وأخلاقيات الإسلام.
كثير من التدريبات العسكرية والشرطية في الوطن العربي تقوم على سحق شخصية المتدرب. إنهم يعتبرون أن إحدى أهم ركائز الجندية هو السمع والطاعة بشكل مطلق. ومن هنا كانت مقولة "نفِّذ ثم ناقش", ولم يسأل أحد عن جدوى النقاش بعد التنفيذ. قد تصلح تلك المقولة جزئيًّا عند احتدام القتال؛ لكنها في الأغلب بعيدة عن روح الإسلام. وقد علمنا كيف تقبَّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) النقاش والتعديل في واقعة اختيار مكان المعركة في بدر الكبرى، حيث أشار عليه الحباب بن المنذر بالانتقال إلى حيث آبار بدر. كما خالف رأيه في البقاء داخل المدينة يوم أُحُد، وأطاع رأي الشباب من أصحابه في الخروج خارجها.
بعض مدربي الشرطة يعتقد -عن جهالة وسوء تقليد- أن المتدرِّب يجب أن يتسم بالتحمُّل حتى ولو أمطره بوابل من السباب والشتائم. أو يطلب من متدربيه أن يسبوا أنفسهم، ويهينوها، بل ويطلب منهم تكرار مقولات الإهانة وتوبيخ الذات. بعضهم يغرس روح الاستعلاء على حياة المدنيين وأصحابها، حتى يمجِّد العسكرية، ويصبح لا يرى عملًا يضاهي عمله، ويرى العساكر أفضل من المدنيين. لقد استمعت إلى بعض هذه المقولات في بيئتنا الفلسطينية، والتي هي بيئة مسلمة، ولم أجد أصلًا شرعيًّا لأيٍّ من هذه التصرفات الفاسقة.
نهى الإسلام عن السباب والشتائم، ونهى عن تحقير الآخرين أو غمزهم ولمزهم، فقال تعالى: "ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب". فأي تنابز وتحقير أكبر من طلب أحدهم من متدربيه أن يكرروا: "أنا عبارة عن أسطوانة فارغة وعفنة"! فهل مثل هذا القول من الإسلام في شيء؟ بل إن صاحبه بحاجة إلى عقوبة رادعة ولو أودَتْ بوظيفته؛ لأنه يصنع رجالًا يتقبلون السباب والإهانة ولا يشعرون بعزة المسلم.
ومن أين جِيء بفكرة أن العساكر أفضل من المدنيين؟, كيف يكون الجندي أفضل من معلمه؟، بل كيف يكون أفضل من أبيه وأمه اللذين ربياه؟.
إن كل عمل لا يتم الجهاد إلا به، فإنه واجب ويحمل درجة الجهاد. كيف لنا أن نتصور حال المعركة دون مسعفين وأطباء! كيف يفقه المجاهدون أساليب العمل العسكري التقنية دون معلمي الرياضيات والفيزياء، ودون معلمي اللغة الإنجليزية؟! كيف يفقه المجاهدون دينهم دون معلمي الدين وفقهائه. وكيف وكيف؟ ألم يحث الرسول على تجهيز الغازي، فقال: "مَن جهَّز غازيًا فقد غزا", ولا أخاله إلا معلمًا وطبيبًا وصانعًا وخبازًا ومزارعًا وخياطًا ومهندسًا وبنّاء.
إننا بحاجة إلى وضع أسس تدريب شرطية تقوم على الإسلام شكلًا ومضمونًا. ومن هنا أدعو القيادات الشرطية والعسكرية إلى عقد ورشات عمل متخصصة لوضع أسس بناء الشخصية المسلمة، ودعوة خبراء التربية وعلم النفس وعلماء الدين لصوغ هذه المبادئ، والتخفيف مما تلقّاه المدربون من أساليب تدريب في بعض البلاد العربية، لم تستند إلى الإسلام في شيء.
