الأربعاء 21 يناير 2026 الساعة 01:01 ص

مقالات وآراء

د. صالح الرقب

أستاذ مشارك، تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة
عدد مقالات الكاتب [16 ]

لقد هوى كبير الفراعنة.. فسنّة الله أن يلحق به الفراعنة الصغار

حجم الخط
د.صالح الرقب

من خلال استقراء آيات القرآن الكريم يتبين أنّ سقوط الطواغيت وهلاك وزوال الحكام الظالمين يجري وفق سنة الله تعالى في القوم الظالمين. قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) هود:100-102. وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) يونس:13. وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) الكهف:59. أي موعداً لمهلكهم لا يتخلف ولا يتقدم ولا يتأخر إنما يجري وفق مشيئة الله وإرادته تعالى: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) القصص:59. وقال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) إبراهيم: 42، وقال تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) الأعراف: 182- 183.

 

لقد جرت سنة الله في هلاك الحكام الطغاة في فرعون مصر الذي كان يقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ويقول :(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ويقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ). إن الأمَّة إذا لم تحاسب الحاكم إن أساء، ولم تأخذ على يديه إن ظلم، ولم تقف في وجه انحرافه وفساده، فإنّ ذلك سيجعله يتمادى في ظلمه وبغيه وطغيانه، ويمدّ في عمر نظامه الفاسد. وكلما صفقت الأمة للحاكم رغم ظلمه، أو هتفت باسمه رغم فساده، فإنه يزداد عنجهية ويتمادى في ظلمه وبغيه وعدوانه، لقد وجد الطاغية فرعون في قومه من الغفلة ومن الذلة، ومن خواء القلب من الإيمان مما جعله يمرر مزاعمه الكاذبة: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)، إن سكوت قوم فرعون عن ظلمه وطغيانه وكفره، جعلهم من الفاسقين؛ لأنهم أطاعوه في ظلم وكفر. لكن نهاية الظالم فرعون كانت وخيمة: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ)، وقد جعل الله نهايته عبرة وعظة لمن شاء أن يتعظ من الفراعنة الصغار، فقال تعالى:(فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى)، واقتضت حكمته إبقاء جثته بعد الهلاك ليستيقن الظالمون من نهايته ولتبقى مثلا جاثماً عياناً أمام ناظريهم وأبصارهم وأنظار مستشاريهم وزبانيتهم، قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)، ولكنَّ طغاة اليوم من الفراعنة الصغار تعطلت أفهامهم، وضَلَّت عقلوهم؛ فاستمروا في ظلمهم وبغيهم، وما علموا أنَّ ما هم فيه من الجاه والسلطان والمال ما هو إلا للإمهال، الذي يعقبه الأخذ، ثمَّ السقوط والهاوية، قال تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).

 

إنَّ سقوط الطواغيت وزوال ملكهم يجري وفق سنة الله في الظالمين، قال تعالى:(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، فبسبب تواطئهم فيما بينهم على الظلم بإقراره ومناصرة الظلم والظلمة؛ نزل فيهم أمر الله بالهلاك والدمار والزوال !ومن ذلك سنة الله في المترفين الفاسدين، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً).

 

لقد جمع كثير من حكام اليوم بين الظلم والطغيان المادي من جهة وبين الفساد الأخلاقي والمالي والترف من جهة أخرى، باستخدام الأموال التي ينهبونها من مقدرات الشعوب، وعادى فراعنة اليوم الحكامُ الطغاةُ أولياءَ الله من العلماء والدعاة، وحاربوهم ومارسوا ضدهم القتل والتعذيب، والسجن والمطاردة وتكميم الأفواه، لقد تستر الحكام الطغاة بستار محاربة الإرهاب ليحاربوا دين الله من خلال تطبيق سياسة تجفيف المنابع الدينية مناهضةً لشريعة الله تعالى، وتمرداً على أوامر الله تعالى، مارسوا الاستهزاء بها، بل مارسوا كل أنواع الصَّدِ عن دين الله مستخدمين وسائل الإعلام التي تحت أيديهم، والجنود الذين ربوهم تربية خاصة، وهامان العصر من المستشارين والقضاة الجائرين وطابور المترفين من العلمانيين والليبراليين، الذين اتهموا دعاة الخير والصلاح بالفساد تماما كزبانية فرعون (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَك). لكن العاقبة للمتقين والسقوط للظلمة المتجبرين حكاماً كانوا أم مستشارين وقضاة وإعلاميين دجالين.

 

لقد تناسى الحكام المتجبرون أنَّ الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وأنَّ الله يمهل ولا يهمل، أعماهم الجاه الزائف والسلطان الزائل، فتناسوا قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) لقد تعطل فهمهم، وضَلَّ عقلهم؛ وما علم هؤلاء الطغاة أن الإمهال سنة إلهية يعقبه الأخذ ثمَّ السقوط، قال تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ). هذه هي سنة الله في الذين ظلموا: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). والحمد لله رب العالمين.