أطبق علي ثلاثتهم النفق، وانقطعوا عن العالم الخارجي، ووقفوا أمام مصيرهم المجهول، لا يمتلكون من متاع الدنيا إلا بضع حبات من التمر، وقربة ماء، وكشاف صغير، وثلاث بنادق نفذ منها الرصاص.
قال لي محمد: كان ثالثنا جريحاً، فقررنا نحن الاثنين أن نبدأ الحفر من اللحظة الأولى صعوداً بزاوية 45 درجة، وذلك كي نتمكن من التسلق، وكي نتفادى رذاذ التراب المتساقط من الحفر.
سبعة أيام بلياليها ونحن نحفر صعوداً، نصوم في نهار رمضان، ونفطر على حبة تمر، ونتسحر على جرعة ماء، سبعة أيام ونحن نحفر بالطين، بمساعدة السكين المثبتة على رأس البندقية، حفرنا، وحفرنا بعزم وأمل، وفي كل يوم نصعد عدة أمتار
أضاف محمد: في اليوم السابع اصدمت سكين البندقية بعظمة ساق لإنسان، استبشرنا خيراً، واصلنا الحفر، حتى تكشف لنا الهيكل العظمي، فأدركنا أننا قد وصلنا مقبرة، لقد وجدنا أنفسنا في غرفة تحت الأرض تضم عدداً من جثث الموتي، لقد فرحنا لذلك، فنحن قريبون من سطح الأرض.
كان علينا أن نتعب أكثر، وأن نغير اتجاه الحفر، فقد كان صعباً علينا تكسير سقف المقبرة المسلح بالباطون، لذلك بدأنا الحفر صعوداً بجوار جدار القبر، حتى سقط علينا فجأة شعاع الشمس!
كان فرحنا عظيماً باستنشاق الهواء، ورغم ذلك، فقد قررنا التريث حتى الليل، لنكمل الحفر، ونخرج يرافقنا الجريح، متسللين بجوار القبر، لقد سمعنا أصوات الجنود اليهود من خلف سور المقبرة بكل وضوح، وكانت تحيط بنا دبابات العدو ومجنزراته، ومن فوقنا الطائرات.
سرنا في اتجاه التجمعات السكنية، ترعانا عين الله التي ضمنت لنا السلامة.


