ما لبث قطاع غزة أن خرج من الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه، حتى دخل في أتون إشكاليات، داخلية وخارجية، قد لا تقل قسوة وكلفة عن الحرب التدميرية، خاصة وأن هذه الإشكاليات طالت كل جوانب حياة الفلسطينيين فيه، وباتوا يعيشون أوضاعاً غاية في الصعوبة، لم تختلف كثيراً عن الظروف التي عرفوها قبل الحرب الأخيرة، بل ربما تكون أشد منها وطأة وقسوة.
ومما زاد في المعاناة المتواصلة للفلسطينيين في غزة أنها أخذت أبعاداً سياسية بامتياز، وإن كان لها لبوس قانوني تارة، وإنساني تارة أخرى، واقتصادي تارة ثالثة، لكن المحصلة النهائية أن غزة ذاهبة نحو انفجار الموقف فيها من جديد، لكن لا أحد يعلم مآلات هذا الانفجار، وطبيعته، والنتائج المترتبة عليه، وفي أي اتجاه سيكون.
ومما يزيد من حرج الأوضاع في القطاع، وتأثيراته السلبية على الفلسطينيين هناك، أن مصدرها ليس طرفاً واحداً بعينه، بل إنها أزمة متعددة المصادر: فلسطينية داخلية، وإسرائيلية خارجية، ومصرية إقليمية، بحيث يساهم كل طرف بدوره في هذه المأساة الآخذة بالتفاقم، وكل لحسابات مختلفة، وربما متفق عليها.
ويوماً بعد يوم، يتضح للفلسطينيين في غزة أن المصالحة لم تقدم لهم حلولاً للكوارث التي يحيونها منذ فرض الحصار على غزة أواسط 2007، بل اتسم أداء حكومتها بالسلبية في أحسن الأحوال، والتواطؤ في إدامة هذه المشكلات في أسوأ التوصيفات.
ولعل الشاهد الأكثر إثارة لسخط الفلسطينيين في القطاع أن هذه الحكومة لم تعقد أياً من اجتماعاتها في غزة، باستثناء اجتماع يتيم عقدته أوائل أكتوبر تشرين الأول قبيل انعقاد مؤتمر القاهرة لإعادة إعمار غزة،
واعتبر الفلسطينيون ذلك رغبة آنية مؤقتة من الحكومة بالحصول على شرعية تمثيلها للمنكوبين في غزة، ممن سيتم إعادة إعمار منازلهم المهدمة، وهو ما تم فعلاً من خلال حصولها على تعهدات بما يزيد على 5 مليارات دولار.
الحديث السائد في غزة أن حماس تدرس خيارات عدة لمحاولة الخروج من عنق الزجاجة، دون إيضاح طبيعتها، لكن المؤكد أنها ترى الوثاق يشتد حول عنقها، بعد تزايد معاناة الفلسطينيين في القطاع، دون أن تسفر الحرب الأخيرة عن نتائج ملموسة تعوض ما قدموه من تضحيات جسام، وهي تبحث عن حلول عملية للتغلب على المشاكل التي تعاني منها غزة في ظل تقصير حكومة التوافق تجاه القطاع، ومن بينها البحث عن قناة اتصال رسمية وجادة مع الرئيس محمود عباس لإلزام الحكومة بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، والقيام بواجبها تجاه قطاع غزة.
ومما يرشح من نقاشات تجريها حماس في صفوفها القيادية، ومع بعض القوى المقربة منها، وعدد من النخب السياسية، أنها عازمة على طرح جملة من الخيارات والسيناريوهات لمواجهة الوضع المتأزم في غزة، من بينها:
أ- الذهاب إلى تشكيل حكومة بديلة إذا استمر تقصير الحكومة الحالية كما تراه، رغم إعلان الحركة أنها تستبعد مثل هذا الخيار، دون أن تلغيه كلياً من أجندتها.
ب- التوافق على إنشاء إدارة موسعة لقطاع غزة مكونة من كفاءات إدارية مشهود لها بالكفاءة، تكنوقراطية وغير مسيسة، تمتلك القدرة على التواصل مع الإسرائيليين والمجتمع الدولي.
ت- الذهاب إلى خيار قد يبدو أمام حماس كـ"تجرع السم" متمثلاً باستبدال محمود عباس بخصمه اللدود محمد دحلان، عبر التحالف معه، وإدارة ظهرها لأبي مازن، خاصة وأن دحلان يمتلك عاملين يفتقد لهما عباس، وهما:
- النفوذ الشعبي والجماهيري في أوساط فتح داخل قطاع غزة.
- شبكة العلاقات الإقليمية الواسعة، لاسيما مع مصر التي تناصب حماس العداء في الفترة الأخيرة.
أخيراً.. يبدو أن حماس فضلت التمديد للحكومة القائمة حالياً، في ظل ضيق خياراتها الداخلية، مع الضغط عليها بتجاوز حالة التلكؤ والتباطؤ في تقديم خدماتها للفلسطينيين في غزة، ورغم مرور أسابيع على التمديد لها، لكن سلوك الحكومة ما زال على حاله في عدم إبدائها حداً أدنى من المسئولية الأخلاقية تجاه غزة.


