الأربعاء 14 يناير 2026 الساعة 11:23 م

مقالات وآراء

إن تكونوا تألمون...

حجم الخط

 

منذ بدء الحركة الصهيونية كان اليهود يعلمون جيداً أنهم سيقيمون دولتهم في محيط إسلامي معادٍ لهم ولوجودهم ، وكانوا يعلمون جيداً أن وجود الروح الإسلامية الجهادية في المسلمين ستكون سبب هلاك دولة اليهود ورغم هذا فقد بدأوا يقيمون دولتهم وأقاموها فعلاً وقد تخيروا زمناً لإقامتها كان المسلمون فيه في الحضيض من حيث الالتزام بدينهم والجهاد في سبيله ومن أجل الحفاظ على دولتهم وضعوا عدة قواعد للسير عليها وهي :
 
1- هذه الدولة يجب أن تحوز على كل وسائل القوة لأن القوة هي الضمانة الوحيدة لبقائها ولذلك نجدهم قبل قيام دولتهم كانوا يهتمون بالحصول على السلاح من كل المصادر وحصلوا على التدريب في معسكرات الجيش البريطاني ومن خلال الانخراط عملياً في هذا الجيش ولقد كان إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل مع الإنجليز إلى فلسطين تتويجاً لجهود جابوتنسكي  ـ الأب الروحي لحزب الليكود اليميني ـ الذي كان يصب كل تفكيره على عسكرة المجتمع الصهيوني .
 ولقد كانت التنظيمات العسكرية الهاجاناه والايتسل وشتيرن قبل قيام الدولة هي الأساس الذي قامت عليه الدولة اليهودية ، وما أن جاءت سنة 1948م حتى كان اليهود قد امتلكوا جيشاً مدرباً قوامه 66 ألف مقاتل وقد زود هذا الجيش بوسائل قتالية أفضل مما كان في يد الجيوش العربية رغم أنه لم تكن لليهود دولة توفر لهم كل هذه الإمكانيات بل مجرد تنظيمات وفصائل يهودية وبدأت نواة سلاح الجو أيضاً قبل قيام الدولة .
 
 وبعد قيام الدولة تولى بن جوريون رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع وبدأ يعمل ليل نهار لإنشاء جيش قوي يتفوق على كافة الجيوش العربية مجتمعة لأنه كان يعرف أن العرب قد جرحوا في كرامتهم وكبريائهم ولذلك فإنهم سيحاولون تحرير فلسطين فلابد أن يكون الجيش اليهودي جاهزاً للدفاع عن الدولة اليهودية فضلاً عن أطماعه الخاصة في التوسع على حساب الأرض الإسلامية لابتلاع بقية فلسطين وبعد ذلك إقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات .
 
(إسرائيل) عملت في اتجاهين :ـ اتجاه الأسلحة التقليدية لتضمن تفوقها على العرب فطورت سلاحاً جوياً حسمت فيه الحروب (الإسرائيلية) مع الأنظمة العربية ، واتجاه الأسلحة النووية الذي من شأنه أن يردع هذه الأنظمة عن مجرد التفكير في مهاجمة الدولة العبرية وهكذا أوصلت اسرائيل هذه الأنظمة المنافقة إلى اليأس وجعلتها تطلب السلام مع (إسرائيل) في النهاية .
 
 2-  أما القاعدة الثانية التي سارت عليها (إسرائيل) فهي كسب دعم الدول الكبرى لها في مواجهة العالم الإسلامي كله وهذا يجعل (إسرائيل) في راحة استراتيجياً حيث تضمن الدول العظمى أمن (إسرائيل) في حالة تكاثر العالم الإسلامي عليها بأي حال من الأحوال . وقد بدأت هذه القاعدة في التطبيق منذ بداية الحركة الصهيونية حيث بحث هرتزل عن دولة عظمى تدعم المشروع الصهيوني حتى استقر الحال على بريطانيا فرعت بريطانيا فكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين من خلال وعد بلفور ومن خلال تطبيقه عبر الانتداب البريطاني على فلسطين وحين بدأ نجم الدولة البريطانية العظمى في الأفول سارعت المنظمة الصهيونية بالالتفات نحو الولايات المتحدة  الأمريكية كبديل استراتيجي واستطاع اليهود استغلال العداء الأمريكي للإسلام والمسلمين أكبر استغلال ووصل الحال إلى التحالف العضوي بين أمريكا و(إسرائيل)  حتى أصبحت الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة أداة في يد الصهيونية العالمية في حربها ضد الإسلام .
 
 3- أما القاعدة الثالثة التي سارت عليها الحركة الصهيونية فهي الإضعاف المستمر للعالم الإسلامي حتى يظل في حالة لا يستطيع معها أن يتنفس ومن ثم تلازمه حالة العجز فيصل في النهاية إلى حال يستوعب وجود (إسرائيل) في فلسطين بل والأكثر من ذلك أن يستوعب أن تكون اسرائيل هي التي ترسم سياسة المنطقة كلها .وفي هذه القاعدة سارت الصهيونية بمساعدة الدول العظمى في عدة مسارات :
 
 أ-المسار الأول تنصيب أنظمة موالية للغرب تسيطر على مقدرات الشعوب الإسلامية وترهن هذه المقدرات في يد الدول الاستعمارية بالرعاية الصهيونية وتتعهد هذه الدول لهذه  الأنظمة بالمحافظة على كراسي حكامها ضد أي تغيير جماهيري
 
ومن ضمن هذا المخطط أن تنفق هذه الأنظمة مليارات الدولارات على أسلحة أمريكية الصنع أهم شروطها ألا توجه ضد (إسرائيل) . بل ضد مواطني هذه الدول أو ضد إخوانهم من الدول الإسلامية المجاورة .
 
 ب – افتعال المشاكل والعداوات بين الأنظمة في البلاد الإسلامية حتى تظل في استنزاف دائم لمواردها في الإعداد للحروب واستهلاك هذه الموارد والطاقات في هذه الحروب الهامشية بعيداً عن معركة المصير مع (إسرائيل).
 
 ج _ الحرب المستمرة على كل ما هو إسلامي بحيث تحافظ (إسرائيل) ومن يدعمها على المنطقة الإسلامية بدون حكم إسلامي حقيقي وهكذا نستطيع أن نفهم الحرب المجنونة التي تشنها أمريكا اليوم على كل ما هو إسلامي بحجة محاربة الإرهاب وأخذت هذه الحرب على الإسلام أشكالاً عدة منها العسكري ومنها الاقتصادي ومنها الثقافي وكان أخرها اتهام النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق بالإرهاب .
ومن خلال الحرب على كل ما هو إسلامي تسخر وسائل الإعلام المأجورة والأنظمة المأجورة والأقلام المأجورة والضمائر المأجورة لكي تبعد الناس عن دين الله عز وجل . فإذا ما تم لهم إبعاد المسلمين عن دينهم ـ كما يظنون ـ سيصل المسلمون إلى مرحلة فقدان الإرادة وهكذا يصبح عندهم من المستحيل التفكير في تحرير فلسطين فيلجأون للتفاوض معها من موقع ضعيف مهين تجعلهم يقبلون بكل ما تمليه عليهم (إسرائيل) من شروط بل وصل الحال إلى ما هو أسوأ أن تستخدم (إسرائيل) أصحاب الأرض لحماية غاصبيها وهذا أسوأ ما يمكن أن يصل أليه الهوان .
 
 (إسرائيل) خططت لكل ما سبق وأنجزت منه الكثير الكثير ولكن خرج لها ما لم يكن في حسبانها فقد خططت على المستوى المادي ونجحت ولكن في عمى اليهود وأعوانهم وضعف بصيرتهم نسوا أنهم يحاربون الله عز وجل حين يحاربون الإسلام ونسوا أن الله لكيدهم بالمرصاد ' ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ' خرج من بين أشلاء هذه الأمة فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى لم يهمهم تدبير اليهود وكيدهم حين أيقنوا عظمة الله عز وجل وعلموا أن نصره سيكون للمؤمنين حين ينصر هؤلاء المؤمنون دينهم فعملوا ليل نهار لإرجاع هذه الأمة إلى دينها ووثقوا أنهم منتصرون في النهاية ، هذه الفئة المؤمنة لا تعرف اليأس وربها يقول لها ' إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون '
 
هذه الفئة المؤمنة لا تعرف الوهن والضعف وربها يقول لها ' وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ' .
 
 هذه الفئة المؤمنة لا تقبل الذلة والمهانة على طاولة المفاوضات مع العدو وربها يقول لها ' فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم '
 
هذه الفئة لا تعرف التقاعس عن مقارعة الأعداء وربها يقول لها ' ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيما ' .
 
 فلا كثرة الضحايا والشهداء ولا الجوع والحصار يؤثر في عزيمتهم لأنهم يعلمون أن الحرب سجال وأن ما يصيبهم سيصيب أعداءهم في نفس الوقت مع فارق مهم يعلمونه جيداً أن الله وعدهم النصر وتوعد أعداءهم بالهزيمة والله سبحانه وعدهم الجنة ووعد أعداءهم النار .
 
 هذه المعادلة لم يفهمها اليهود ولذلك لا يفهمون لماذا يقوم أبناء الإسلام بتفجير أنفسهم وسط أعدائهم في سبيل الله .
 إن هذه الفئة المؤمنة حين تتسلح بالإيمان الحق وبالعلم الشرعي الصحيح والإرادة المنبثقة عن الإيمان والاستقامة الناتجة عن العلم الصحيح لن تقف في وجهها مخططات (إسرائيل) وأمريكا ومكرها ' ومكر أولئك هو يبور ' .
 ولن يقف في وجهها عملاء (إسرائيل) وأمريكا بل ستتسع دائرة العمل الإسلامي رغم كل وسائل الكيد . وستتعاظم إرادة الجهاد والاستشهاد في هذه الأمة رغم كل المتخاذلين والداعين إلى اليأس وستعلو قدرتنا على الصبر والمصابرة رغم مراهنة (إسرائيل) وحلفائها على كسر هذه القدرة .
لقد بات واضحاً من خلال الهجمة الشرسة غير المتكافئة التي تشنها (إسرائيل) ضد شعبنا أن (إسرائيل) قد فقدت صبرها وتريد أن تنهي هذا الصراع بضربة واحدة ولكنهم سيقعون بفضل الله في مفاجأة بعد أخرى حين يرون أن هذه المحاولات لا تفعل أكثر من  زيادة إصرارنا على الثبات في جهادنا حتى التحرير الكامل لأرضنا وإقامة دولة الإسلام عليها بإذن الله .
 
 وإن هذه الضربات اليائسة التي تقوم بها (إسرائيل) لا تقضي على روح المقاومة فينا بل تقضي على أي أمل (إسرائيل) بإيجاد من يستغل روح اليأس للتفاوض معها .
 
 إن هذه الضربات اليائسة تقرر حقيقة واحدة فقط وهي أن (إسرائيل) وجدت على أنقاضنا بالقوة فليس سوى القوة بديلاً حتى نعيد بناء أنفسنا على أنقاضها .
 

 وإذا كان هناك من يئس أمام ضربات شارون فهناك فريقاً آخر يتعاظم كل يوم شعاره ' إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ' . ' ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ' .