سألتهم لماذا كوبا بالذات؟ بلد محنط متوقف في الزمن؟ ما الذي رغبّكم في زيارته؟ قالت هو من أجل ذلك، فهو من مخلفات التاريخ؛ فوجب التعرف على المجتمع حين يتوقف في الزمن! لايوجد حليب أطفال! لايعرفون الجبن! المحلات بالكاد فيها شيء يباع أو يؤكل. غريب ماذا يأكلون؟ ربما الفاصولياء وشيء من الخبز! قبل الأكل مصيبة أعظم. يزورهم الكنديون كثيراً، وفي كل زاوية يرف علم كندي، ولكن لا أحد يستطيع مغادرة البلد من الكوبيين. بماذا يتعاملون؟ يأخذون الدولار؛ فلا بد منه، وهم أعداء الدولار، ولكنهم مضطرون له؟ هل كاسترو في موت سريري أم ماذا؟ هو انتهى، ولكن العقل المدبر لكوبا منذ نصف قرن هو أخوه الداهية المختفي (راوول). إنه يحاول حالياً الخروج من النفق، وإدخال البلد إلى العالم. كما فعل الصيني القصير كسابيانج. مساكين إنهم فقراء جداً. يؤجرون بيوتهم للسواح، ويعيشون ربما على السياحة، ولكن من يؤجر بيته يجب أن يأخذ موافقة المخابرات أولاً. ربما نصف الشعب مخابرات. الستازي الألماني كان أيضاً قد حول الشعب الألماني إلى نصفين، نصف يتجسس على نصف. أذكر جيداً أن شعبة المخابرات في برلين الشرقية، كانت تضم ربما 20 ألف غرفة للتجسس على المواطنين. كوبا وكوريا وسوريا وبورما كلها أنظمة متشابهة. رأيت فيلماً باليوتيوب للمنتفخ المكتنز شحماً وسحتاً الرئيس الجديد (كيم أون) كيف زار أهل جزيرة فخرجوا خلفه باكين؛ حتى دخلوا الماء خلفه إلى درجة الغرق. تذكرت الآية القردة والخنازير وعبد الطاغوت. صور بشار البراميلي في دمشق أيضاً هي كذلك. أذكر من مستوصف خان أرنبة المعفن وقد علقت فيه 17 صورة (عددتها) من الحجم الكبير واللون الزيتي الملتمع للأب والابن (عفواً العائلة الأسدية من فصيلة السنوريات). هذا هو دأب المجتمعات الوثنية مع الأصنام الحية والميتة. الشعب الكوبي وديع مسكين، قطع أمله في أي تغيير؛ فقد هرب منه العقلاء والمثقفون، ولم يبق فيه إلا كلّ غبي أو متغاب أو منافق طويل اللسان. إنه متحف حي يمشي السائح فيه فيرى تحف البشر التي تمشي بساقين متثاقلتين. مشكلة كوبا بدأت منذ أزمة 1962 حين قررت روسيا وضع صواريخ نووية فيها، وقررت أمريكا في تلك الأيام فرض الحصار عليها. ودامت الأزمة 12 يوماً اهتز فيها السلام العالمي، حتى خرج العالم من عنق الزجاجة، بدون حرب نووية. هذا المسخوط كاسترو كاد أن يفجر العالم. يذكر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (مكنمارا) تلك اللحظات الخطيرة التي نجا فيها العالم بأعجوبة. ومن جملة الاتفاقات السرية بين العملاقين في تلك الأزمة أن تسحب أمريكا منصاتها من تركيا على الحدود الروسية لاحقاً، مقابل الحفاظ على كاسترو ونظامه في كوبا بدون تدميره. فعلت أمريكا ما وعدت به ولكنها دمرت كوبا بما هو أشد؛ فقاطعت كوبا، وقاطعت كل من لايقاطع كوبا. ومن يجرؤ على مجازفة تجارة كوبا مقابل تجارة أمريكا العملاقة؟ وهكذا انعصرت كوبا بحصار خانق قاتل فهي جزيرة محاطة بالمياه من كل جانب. واكتملت الصورة حين انهار الاتحاد السوفيتي، الذي جازف بالكثير ليحافظ على كاسترو والعصابة، لكنه اضطر للتوقف عن بناء أوتوستراد يربط كامل الجزيرة. ومن أعجب أسرار هذه الجزيرة سجن غوانتانامو الرهيب. حاليا كاسترو يحتضر، ولكن الجزيرة سوف تنفض عن كاهلها ربما النظام الشمولي الذي خنقها منذ نصف قرن، وهو مايطمح إليه أيضاً السوريون بعد مقتل مليون إنسان.


