الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 03:16 ص

مقالات وآراء

النظام الرسمي العربي في مواجهة مقاومة غزة

حجم الخط
صالح النعامي

لا يكاد المرء يصدق ما يكشفه الصهاينة عن عمق تواطؤ النظام الرسمي العربي ضد المقاومة الفلسطينية، لولا أن شواهده حاضرة على الأرض. ولعل أخطر حلقة يتطوع الصهاينة للكشف عنها هو أن التصدي للمقاومة وإضعافها بات الهدف الذي تلتقي عليه الأنظمة العربية. وقد كشفت وسائل الإعلام الصهيونية أواخر الأسبوع الماضي ومطلع الأسبوع الجاري النقاب عن أنه إلى جانب ما تقوم به سلطة الانقلاب التي تحارب تهريب السلاح للمقاومة جهاراً نهاراً، انضمت السعودية للقيام بهذا الدور. فقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرنوت» في عددها الصادر الجمعة الماضي أن السعودية مارست ضغوطاً كبيرة على الرئيس السوداني عمر البشير لكي يوقف التعاون مع الإيرانيين في تهريب السلاح للمقاومة في غزة وانهاء دور السودان كمحطة لنقل السلاح الإيراني. وحسب «يديعوت أحرونوت» التي أكد سبقها الصحافي مسؤول صهيوني تحدث للإذاعة العبرية الأحد، فإن السعوديين استغلوا حاجة البشير للشرعية الإقليمية والدولية في أعقاب صدور قرار محكمة الجنايات الدولية باتهامه بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية وطالبته بوقف التعاون مع الإيرانيين كشرط لتطبيع العلاقات معه، وهذا ما حدث بالفعل. ولم يفت الصهاينة التذكير بأن الدور السعودي تكامل مع الدور الذي تقوم به السلطات المصرية التي قامت بهدم مئات الأنفاق التي كانت تستغلها المقاومة في نقل السلاح من سيناء إلى القطاع. وعلى صعيد دور سلطة الانقلاب، فإن المشهد يبدو سيريالياً إلى حد كبير. فقد قدمت وسائل الإعلام الصهيونية الكثير من الشواهد على أن عمق التعاون الصهيوني مع سلطة الانقلاب قد تجاوز كل الحدود وفاق كل التوقعات. فقد كشف معلق إسرائيلي بارز النقاب عن أن الجيش المصري يشن حملاته الأمنية في سيناء استناداً إلى معلومات تقدمها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية. وحسب رون بن يشاي، كبير المعلقين العسكريين في صحيفة «يديعوت أحرنوت» فإن الجيشين المصري والإسرائيلي يتقاسمان المسؤوليات في الحرب على الجماعات الجهادية في سيناء، بحيث يقوم الجيش المصري بشن الحرب الفعلية على «الجهاديين»، في الوقت الذي تتولى فيه إسرائيل توفير المعلومات والتقديرات الاستخبارية استناداً إلى مصادرها البشرية والإلكترونية. وفي تقرير نشره موقع الصحيفة الجمعة الماضي، نوه بن يشاي إلى أن كلاً من جهاز المخابرات الداخلية «الشاباك» وشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» يتوليان مهمة جمع المعلومات الاستخبارية عن تحركات «الجهاديين» في سيناء، ويتم نقلها للجانب المصري، مشدداً على أن «تقاسم العمل» بين الجيشين المصري والإسرائيلي يتم وفق «قواعد ثابتة». لكن المفارقة تمثلت في أن بن يشاي قد كشف النقاب عن أنه في بعض الأحيان لا يتردد الجيش الإسرائيلي في العمل بنفسه داخل سيناء، سيما عندما يتعلق الأمر بإحباط عمليات تخطط لها الجماعات الجهادية، أو عندما يتم الرد على عمليات إطلاق النار. ولا يفوت بن يشاي التذكير بأن القيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب «تقدر» الخطوات التي يقوم بها الجيش المصري شمال سيناء، سيما تدمير منازل المواطنين المصريين الذين يقطنون بالقرب من الشريط الحدودي مع قطاع غزة. لكن بن يشاي يكشف عن حقيقة مرة، حيث يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي وخلال حوالي أربعة عقود من احتلاله المباشر لقطاع غزة لم يجرؤ على اتخاذ خطوات مماثلة ضد الفلسطينيين كما يقوم به الجيش المصري حالياً ضد المواطنين المصريين في شمال سيناء. وشدد بن يشاي على أن الحرب التي تشنها السلطات المصرية ضد تنظيم «أنصار بيت المقدس» تخدم إسرائيل بشكل كبير، منوهاً إلى أن هذا التنظيم يمثل تهديداً على الأمن الإسرائيلي. وأضاف: «صحيح أن هذا التنظيم يتفرغ حالياً لمواجهة الجيش المصري، لكنه سيتفرغ لشن هجمات على إسرائيل في المستقبل». ونوه بن يشاي إلى أن التنظيم قام خلال الحرب على غزة بإطلاق عدة صواريخ «غراد» على ميناء «إيلات»، مشيراً إلى أن السلطات الأمنية المصرية ألقت القبض على أحد عناصر التنظيم كان في طريقه لتنفيذ تفجير انتحاري داخل معبر «كرم أبو سالم»، الذي يربط بين إسرائيل وقطاع غزة، خلال الحرب الأخيرة. وحتى يبرز حجم اسهام الحملات الأمنية المصرية في اسناد «الأمن القومي» الصهيوني، يشدد بن يشاي على أن تهديد «أنصار بيت المقدس» يمكن أن يتعاظم، مشيراً إلى أن التنظيم بإمكانه إسقاط الطائرات المدنية الإسرائيلية من خلال استخدام الصواريخ محمولة على الكتف. والمحزن، أنه حتى المصادر الأمنية والسياسية الصهيونية تبدي تشكيكها برواية السيسي حول دور غزة في الهجمات التي تستهدف الجنود المصريين في سيناء.

قصارى القول، الصورة التي ترسمها إسرائيل تقول بشكل واضح أن النظام الرسمي العربي لا يتولى عملياً التصدي للمخاطر التي تتهدد الكيان الصهيوني ويواصل حصاره للمقاومة فقط، بل أن هذه المهمة باتت محور التقاء مركبات هذا النظام.