أرسل الأخ (بلقاسم من الجزائر) حين تحدثت عن الانهيار الداخلي والقابلية للاستعمار، أنها ذكرته بالفكرة (نفسها التي يطرحها مالك بن نبي في كتابه «شروط النهضة» أعني الاستعمار والقابلية للاستعمار، فالجزائر مثلاً استقلت منذ أكثر من نصف قرن لكن وضعها الحالي ربما أسوأ مما كانت، وحرب العشرية السوداء خير مثال على ذلك، وعليه فالمشكلة كما يقول الدكتور خالص هي داخلية أكثر منها في الخارج، ولو انتصرت غزة على إسرائيل تبقى مشكلات العرب كما هي…).
في الواقع حين قرأت هذه العبارة حمدت الله أن هناك مَنْ يفهم عليَّ وعلى مالك. أذكر ابن نبي حين زارنا في دمشق رحمه الله، وتحدث في مدرج جامعة دمشق عن شيء اسمه (مائدة مستديرة) على شكل حوار في فرنسا، تم بين ثلة من المفكرين الجادين لتشخيص ما حصل في حرب 1967م، التي نرى ذيولها اليوم بغزة في يوليو 2014م، أي بعد مرور 47 سنة والحال كما هي، بل ازدادت سوءاً، بعد أن صرح السادات بأنه في حربه ضد إسرائيل ليس مستعداً أن يحارب أمريكا، وهكذا فقد رفعت الأنظمة العربية العلم الأبيض كما يقال، وشعرت بعبثية الحرب مع إسرائيل، وقد يتعجب القارئ أنني راهنت على هذا من جانبين؛ فبنيت لنفسي بيتاً في الجولان السوري؛ الأول من الرؤية التاريخية لمنظومة الحرب، أنها انتهت بين الأنظمة العربية وإسرائيل بعد حرب 1973م، وكذلك الخط الفاصل منزوع السلاح ففشل رهاني، فقد جرت الحرب هذه المرة وهو ما لم أكن أتوقعه بين الثوار والنظام البعثي الفاشي فنهب بيتي وهم يظنون أنهم يحتلون بيت المحافظ؟
في تلك المحاضرة التي ألقاها (مالك بن نبي) وكان في زيارتنا عام 1971م، فقال إن العناصر الأساسية في نكسة عام 1967م هي أن الهزيمة هنا ليست عسكرية ولكن حضارية؛ بكلمة أخرى نحن ندفع فرق الدين، الذي رتبه علينا آباؤنا النائمون في القرون الوسطى، حتى استفاقوا على صفعة نابليون عند سفح الهرم عام 1798م، وبكل أسف ـ وهي معضلة عقلية فعلاً ـ أن احتكاك اليابان مع الغرب حصل بالوقت نفسه حين هاجم الجنرال الأمريكي (بيري) سواحل اليابان 1856م، فأدركت اليابان أن أيام الساموراي ولت بغير رجعة، ويمكن في هذا رؤية فيلم الساموراي الأخير الذي مثَّله توم كروز؟
مصر كبت على وجهها، واليابان تقول لأمريكا؛ كما يقول عضو الدايت (شينتارو إيشيهارا) في كتابه (اليابان تقول لأمريكا: لا) وينطلق في هذا من زاوية تكنولوجية بحتة، فيقول إن الصواريخ التي تحمل الرؤوس النووية سواء في روسيا أو أمريكا تحتاج إلى الميكروشيبس الياباني، وهو كتاب جدير بالقراءة وتأمل الأفكار الواردة فيه.
إلى أين ننتهي في هذا الكلام، الذي لم يستوعبه العليان ولم يقبل به من بريطانيا، حين نصحني أن أكتب في الطب فأفيد؛ أما الحديث في السياسة فعلي أن أتركه للسياسيين. والمصيبة في السياسيين كما تحدثت يوماً في إذاعة (مسقط) مع سياسيين من فلسطين ولبنان؛ فقلت لهم السياسيون مثل الكهنة والعرافين؛ فلا تصدقوهم ولو صدقوا.
إذا لم تدخل السياسة معمل العلم؛ فهي عمى، ولكن بيننا وبين هذا الفهم مسافة قطر الاندروميدا؟ هل تعلمون كم هو؟
