من أكبر نكبات الأمة أن تصاب في علمائها الذين حتى وإن كانوا على صلاح، فانهم يعتزلون قيادة جموع الناس وتوجيه الحياة العامة، ويكتفون بالتعليم وإصدار الفتاوى في الغرف المغلقة حتى وان لم يهادنوا السلطان الا أن سكوتهم وانعزالهم الى الصفوف الخلفية لا يقل ضرره عن اثر شيوخ السلاطين الذين يبيعون دين الله بعرض الدنيا!
وفي الوقت الذي تزداد فيه الحملات اللاأخلاقية في مجتمعنا وتتكاثر لتضرب في عمق عقيدتنا واخلاقنا وقيمنا الاجتماعية لا نكاد نرى علماءنا يتحركون تحركا جديا لاستنقاذ المجتمع مما يحاك ضده لافساد آخر معاقل المقاومة الاخلاقية، بل يكتفون بقول او تصريح او درس هنا او هناك محصور الاثر قليل الجمهور، اما الاعمال التغييرية، كما كان يفعل العز بن عبد السلام يوم ذهب وتلاميذه واتباعه فهدم الملهى الذي بناه بعض المماليك فوق مسجد القاهرة، وأسقط على اثرها عدالة الوزير ويوم حاسب نجم الدين ايوب في اغلاق الخمارات فسأله تلميذه: أما خفته فقال له: والله يا بني لقد استحضرت هيبة الله فأصبح السلطان قدامي كالقط، فهذا سلوك نكاد نفتقده تماما في علمائنا!
نكون أغبياء تماما ان ظننا ان الاعداء لا يملكون مخططا لهذا البلد، فهم يؤمنون ربما أكثر منا بأن للأردن مستقبلا في المعارك القادمة وبذا تقول كتبهم لذا فهم يعدون العدة لافساد ما استطاعوا من شباب الوطن حتى لا تقوم له ولا لهم قائمة، وما هذه المهرجانات من اول مهرجان الالوان الهندوسي الى اعلان مهرجان التعري وتتابع الاعلانات بهذا الزخم والصورة المشبوهة الممنهجة، الا اختبار لردات فعل الشعب الاردني وكسر لحاجز الحياء والرفض الذي لن يستمر طويلا، ما لم يتم التصدي له فعليا بثورات اخلاقية تستصدر تجريما حكوميا وقانونيا ضد كل من تسول له نفسه انتهاك عقيدة وحرمات الشعب الاردني، ولا تكفي الحملات والمشاريع الاخلاقية هنا وهناك؛ فالامر أكبر من أن يواجه بحسن النوايا والحكمة والموعظة الحسنة، ويحتاج وَزْعا بالسلطان قبل القرآن.
كنا ننتقد ونتندر بالسياسيين الذين يكتفون بالمؤتمرات واللقاءات ونصفهم بكتيبة الفنادق، ونفرق بينهم وبين من يجاهدون في الخنادق لاعلاء كلمة الحق، والامر لا يختلف مع علماء الدين ايضا!
ما لم يقم من هذه النشاطات اليوم ممكن ان يقام غدا؛ فالمناعة الدينية والاخلاقية لدى الشعب، والشباب خصوصا، مؤهلة للزيادة والنقصان وكثرة الطرق قد تغير حتى الحديد.
لقد اشتقنا الى أيام كان علماء الدين هم سادة الكلمة والموقف فخرجت القاهرة وراء العز بن عبد السلام يوم اخرجه السلطان، فما قبل الرجوع بنفسه وبالناس حتى عاد السلطان الى هدي الله، فأين علماؤنا من ذلك؟ فوالله ما تجرأ هؤلاء السقطة والسفلة علينا الا بتفريطهم فينا وبدورهم!.
