الخميس 15 يناير 2026 الساعة 05:02 م

مقالات وآراء

الحكومة والرواتب.. في المختلَف والمتفَق عليه!

حجم الخط
يونس أبو جراد

ليس الشعب، ولا الفصائل، ولا الساسة، ولا المثقفون، ولا الأدباء، على قلب رجلٍ واحد، ولا حتى على قلب فصيل واحد من حكومة التكنوقراط. اختلفنا على الحكومة، فأطلقنا عليها ما تشتهي توجهاتنا وأحزابنا من صفات، لكننا اتفقنا على استحياء أنها حكومة "توافق"، ثم أشهرنا أقلامنا الحمراء للنقد والتعديل والتجريح، ولم نرحمها منذ أول يوم لإعلانها.

 

كنت مشفقاً عليها، وأدعو لها من أعماقي بالنجاح والسداد، ولكنها بعد مرور ساعات قليلة خلعت عباءة الوفاق، وارتدت "تيشيرت" الحزب، بل الفرد الواحد، وافتعلت وهي تعلم أو لا تعلم أزمةً كبيرة تتعلق بأرزاق الناس، وكأنها أرادت أن تقول لنا: أنا لستُ للجميع، بل أنا حكومة السيد الرئيس، أفعل ما يأمرني به، وأنتهي عما ينهاني عنه.

 

ومع ذلك وقف الكلُّ صامتاً لا يريد أن يستعجل الأحداث ويتسرع في الأحكام، إلى أن علمنا باستعداد دولة قطر مشكورةً لدفع رواتب الموظفين في غزة، وأنَّ اتصالاتٍ جرت من أجل حلِّ تلك القضية التي يتفق الجميع على حق الموظفين براتب كامل وحياة كريمة، بعيداً عن المساومة في لقمة عيشهم .. لكن ما جرى مؤخراً يثير الريبة والظنون في حكومتنا الجديدة التي طلبت 60 مليون دولار لرواتب الموظفين، علماً بأنَّ الرقم المطلوب هو 35 مليونًا شهريًا.

 

المشكلة أنَّ تلك الخلافات حول الأرقام، أسفرت عن تعهد قطري بإرسال 20 مليون دولار فقط، وبذلك سيحصل الموظفون على سلفٍ شهرية وليس على رواتب كاملة كما كان من المفترض أن يحدث. يثير ذلك العديد من الأسئلة في أذهان 50 ألف موظف، وتنعكس تلك التساؤلات على عوائلهم وبقية أفراد الشعب الذي يراقب أداء الحكومة عن كثب، ويتطلع إلى مزيد من الخدمات التي حرم منها في السابق. ومن تلك التساؤلات: لماذا أصرت الحكومة على مبلغ 60 مليونًا، مع أن حاجتها لرواتب غزة 35 مليونًا فقط؟ هل أرادت باقي المبلغ كمصروف إضافي لوزاراتها في غزة؟ أم اشترطت ذلك لإفشال هذا الاستعداد القطري بذلك المبلغ -وهذا ما كان فعلاً-؟

 

كيف نفسر عدم مساهمة الحكومة بالمبلغ المتبقي شهرياً؟ أم أنها لا تعترف فعلاً بهؤلاء الموظفين، ولا تريد أن يتلقوا رواتبهم عبر قنواتها الإدارية والمالية؟ ألا يندرج ذلك تحت وصف التمييز الذي تمارسه الحكومة، في ظل توافق رخو، لم تحترمه فتح، وتنصلت من بعض بنوده، واضعة بذلك شرف الكلمة تحت حذاء المصلحة الحزبية الضيقة؟ هل تريد الحكومة أن تكتفي بالحديث عن الأزمة دون المساهمة في حلها عملياً؟

 

وماذا لو لم تستعد قطر لدعم هذه القضية؟ هل كانت الحكومة ستقف مكتوفة الأيدي، تنتظر من يمنُّ عليها بمساعدةٍ عاجلة؟! ما مدى ثقة الموظفين في اللجنة الإدارية التي ستشكلها الحكومة، بعد هذا الأداء المستهجن، والتعاطي السلبي مع قضيتهم؟ وهل سيقبل الموظفون أن يظلوا الخاصرة الرخوة، وورقة الضغط الرخيصة لابتزاز حماس في الملفات الأخرى؟ هل سيقبل الموظفون بهذا الحال، وخاصة في ظل تخوفهم من النتائج التي ستسفر عنها اللجنة المشكلة حديثاً؟ ألا يمكن أن يقوم الموظفون بما لا تتوقعه الحكومة، أم أنهم سيكتفون بما يصل، قائلين: "الحمد لله على كل حال"؟!