الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:36 م

مقالات وآراء

«إسرائيل» في مواجهة «أسلمة» أوروبا

حجم الخط
صالح النعامي

بخلاف الانطباع السائد الذي خلفته، وبعكس الاتجاه العام لتعليقات قادة المنظمات اليهودية في أوروبا، الذين عبروا عن القلق إزاءها، فإن دوائر صنع القرار في تل أبيب تبدي تحديداً ارتياحاً إزاء صعود اليمين المتطرف في أوروبا، كما عكستها نتائج الانتخابات للبرلمان الأوروبي. وعلى الرغم من أن أيا من المسؤولين الإسرائيليين لم يعبر عن رضاه علناً عن نتائج هذه الانتخابات، إلا أن أنه تبين أن تل أبيب ترحب بصمت بصعود قوة اليمين المتطرف في أوروبا، لأنه قد يفضي إلى تحقيق نتيجتين تمثلان انجازاً إستراتيجياً لإسرائيل، وهما: وقف «أسلمة» أوروبا وزيادة الهجرة اليهودية من أوروبا إلى الكيان الصهيوني. وتنطلق إسرائيل من افتراض مفاده أن صعود اليمين المتطرف سيحول دون «أسلمة» أوروبا، على اعتبار أن أهم مواد البرنامج الذي تبنته أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا كان الموقف الصارم ضد تواصل موجات الهجرة الإسلامية إليها. إن مما يعزز الاعتقاد في إسرائيل بأن صعود قوة اليمين المتطرف في أوروبا لا يرجع إلى تنامي مشاعر «اللاسامية» ضد اليهود بقدر ما يعبر عن رفض هجرة المسلمين إلى اوروبا، هي نتائج استطلاع شامل أجراه «معهد كونتور»، التابع لجامعة تل أبيب ونشر في 27-4-2014 وأظهر أن تراجعاً كبيراً على عدد الحوادث «اللاسامية» التي تعرض لها اليهود في أرجاء أوروبا خلال العام الماضي. وحسب نتائج المسح، فإن تراجع مؤشرات «اللاسامية» في أوروبا قد قلصت عدد اليهود الأوروبيين الذين يهاجرون إلى إسرائيل، باستثناء فرنسا، التي كانت الاستثناء الوحيد، حيث طرأت زيادة بنسبة 50% على عدد اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل، حيث انها البلد الأوروبي الذي شهد زيادة في عدد الهجمات التي تعرض لها اليهود. ومما يطمئن النخبة الإسرائيلية الحاكمة من نتائج الانتخابات الأوروبية، حقيقة أن معظم الدول التي حقق فيها اليمين المتطرف نتائج كبيرة في الانتخابات الأخيرة ليست ذات سجل في مجال الأنشطة «اللاسامية» فيها. وهذا ما جعل الكثير من الأوساط الرسمية في إسرائيل ترى في الربط بين زيادة قوة اليمين المتطرف بتعاظم التوجهات «اللاسامية» في أوروبا هو ربط «سطحي». وحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن «اللاسامية الكلاسيكية» القديمة التي ترى في اليهود مجرد «طفيليين مصاصي دماء» قد بلغت أوجها مع صعود النازية في أوروبا، في أربعينيات القرن الماضي وتراجعت بعد ذلك. وتجزم هذه المحافل أن «اللاسامية الجديدة في أوروبا تمثلها الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعاظم دورها مع زيادة موجهات الهجرة من البلدان العربية والإسلامية إلى القارة العجوز.

 

تبدو تل أبيب الرسمية مرتاحة لنتائج الانتخابات الأوروبية، حيث ان الرأي السائد لدى القيادة الإسرائيلية هو أنه عند المفاضلة بين أوروبا المتأسلمة وأوروبا اللاسامية، فإن إسرائيل تفضل بدون تردد أوروبا اللاسامية. وتأمل إسرائيل أن يسهم صعود اليمين المتطرف كرأس الحرب في مواجهة خطر أسلمة أوروبا، وهو الخطر الذي يصل إلى مصاف المخاطر الإستراتيجية التي تفزع منها إسرائيل. وتصل بعض الآراء داخل إسرائيل إلى حد القول أنه حتى لو ارتبط تصاعد قوة اليمين في أوروبا بتعاظم مظاهر اللاسامية، فإن هذا قد يصب في صالح إسرائيل، لأنه سيدفع قطاعات كبيرة من اليهود في أوروبا للهجرة إلى إسرائيل. ومن المفارقة أن اليمين الإسرائيلي وعلى وجه الخصوص زعماء المستوطنين اليهود هم الأكثر احتفاء بنتائج الانتخابات الأوروبية، وذلك بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط قادة اليمين المتطرف في أوروبا واليمين الإسرائيلي وعلى وجه الخصوص قادة المستوطنين في الضفة الغربية. ففي تل أبيب يسجلون حقيقة أن بعض نخب اليمين الأوروبي المتطرف تتخذ موقفاً رافضاً لحملات المقاطعة الدولية على إسرائيل. لأول وهلة، بدت نتائج الانتخابات للبرلمان الأوروبي كتحدٍ لإسرائيل، حيث انه كان يفترض بإسرائيل أن تندد بصعود اليمين المتطرف في اوروبا بسبب طابع برامجه «اللاسامية»، لكن تل أبيب كانت في نفس الوقت تشعر براحة بسبب مواقف اليمين المتطرف العدائية من المسلمين في أوروبا. لقد تغلبت إسرائيل على ترددها عبر التنديد بـ»لاسامية» اليمين المتطرف في اوروبا وفي الوقت ذاته احتفت بمواقفه العنصرية تجاه المسلمين. أن اليمين في إسرائيل يرى أنه سيستفيد بشكل مباشر من فوز اليمين المتطرف في أوروبا، على اعتبار أن هذا التطور سيدفع بهجرة عدد كبير من اليهود الأوروبيين لإسرائيل، وهؤلاء اليهود عادة ما يتبنون مواقف متطرفة من العرب متأثرين بفكر اليمين المتطرف في أوروبا، سيما اليهود في فرنسا. من هنا يتوقع اليمين الإسرائيلي أن تسهم هجرة اليهود الأوروبيين في تعزيز قوته الانتخابية، بحيث تشكل موجات الهجرة المتوقعة احتياطياً انتخابياً وبشرياً له.